المشهد العراقي .. بين انهمار الأمطار وانهيار الدينار
بقلم : جهاد بشير
في الوقت الذي تتفاخر ما تسمى وزارة الهجرة في حكومة الاحتلال التاسعة ودون حياء بأنها “استبدلت بطانيات” بعض مخيمات النزوح في العراق؛ بينما تبلغ آثار الفساد الحكومي على الواقع الخدمي في عموم البلاد ذروتها؛ فإن انهيار قيمة الدينار العراقي أمام الدولار يبدو المشهد الأكثر استجلابًا للأنظار في الواقع العراقي، في ظل توقيت مقصود وهدف مرصود.
تدرك الوزارة نفسها ألا أحد يصدق مزاعمها في دعم ومساعدة النازحين حتى على مستوى المنّة على النازحين التي تضمنها تصريح وكيل الوزير غداة غرق أغلب مدن العراق نتيجة موجة هائلة من الأمطار لم تستطع رغم غزارتها تنظيف العار الذي تصطبغ به حكومات العملية السياسية وأحزابها المتشاركة في الفساد، حتى أن مصطلح “البنى التحتية” لم يعد له وجود في قاموس المواطن العراقي؛ لأنها انتقلت من حالة التدمير والتهالك إلى الانعدام التام.
ولم يكن العراقيون قد أفاقوا من مأساتهم التي ولّدها فساد الواقع الخدمي – رغم تكرارها كل سنة – حتى دهمتهم قضية انهيار قيمة الدينار إلى مستوى غير مسبوق بوصفه واحدًا من مخرجات الفساد المالي الذي أدمنته السلطات الحكومية، فأطلقت بسبب ذلك حالات إنذار قصوى على مستوى الجدوى المالية والموازنة الاقتصادية للعائلات العراقية التي باتت ترقب مستقبلاً هو الأشد سوادًا في تصنيفه والأكثر إمعانًا في مجهوليته، بينما لا يمكن الحديث بشيء عن الاقتصاد العراقي ككل في هذه النقطة؛ لأنه – بدهيًا – يقبع في النقطة الأدنى من مستوى الانهيار التي تشرف به على حالة الاضمحلال.
منذ وقت بعيد من عمر العملية السياسية كان غير واحد من المحللين والجوالة في الأوساط السياسية والصحفية يحذرون مما يسمونها “لبننة العراق” وذلك من زاوية النظر إلى النمط الطائفي الذي طغى على المشهد السياسي وحاولت أحزاب السلطة تعديته ليكون واقعًا مجتمعيًا في البلاد، فإذا بهم اليوم يستصحبون هذا المصطلح إلى المشهد الاقتصادي ويطرحون أمام أنظار العراقيين المشهد اللبناني تخويفًا من أن يتحول العراق إلى ما يشبه حالة السقوط التي هوت بها الليرة اللبنانية وما نتج عن ذلك من تداعيات ومخرجات.
وإذا كان التحذير من “لبننة العراق” طائفيًا له مسوغ نتيجة التشابه والتقارب في الأنماط السياسية القائمة على المحاصصة؛ فإن التخويف بشأن انهيار الدينار يجتمع له مسوغان؛ الأول منهما: ما يتعلق بطبيعة العملية السياسية وفساد أحزابها والسرقات الممنهجة التي تمارسها منذ عشرين عامًا، والثاني ما يتصل بالعامل المشترك بين أزمة لبنان وأزمة العراق الذي يمثله الاحتلال الإيراني بوضوح وجلاء، وإن كان لهذا الثاني وجود وتأثير في المشهد السياسي اللبناني كما هو العراق؛ إلا أن الفرق بين واقع البلدين أن الاحتلال الإيراني في العراق مزاوج لاحتلال الولايات المتحدة يتداخلان ليكونا منظومة تخادمية أو يفترقان ليصبحا في خط موازٍ؛ بحسب مقتضيات المصالح المرحلية، وفي كل الأحوال يكون القول الفصل لواشنطن ولا يجري شيء في المشهد دون رغبة منها.
المرحلة الحالية بعد سطوة حكومة الإطار التنسيقي على العراق؛ هي مرحلة إيرانية تامة تحت عين رضا أمريكية، ولئن كانت واشنطن وطهران في حالة “تضاغط استراتيجي” كما يعبر عن ذلك الكاتب الكبير طلعت رميح؛ فإن العبث بينهما في حلبة العقوبات والملف النووي مسوغ ثالث لكي يقصم الدولار ظهر الدينار، ولن يكون من خاسر – كما هو معتاد ومألوف – سوى العراقيين أنفسهم.
إن الحقيقة المرة التي تُطرح في هذا المقام لكنها لا تجد إلى التطبيق في الواقع سبيلاً؛ هي أن المسوغات الثلاث آنفة الذكر لا يمكنها أن ترقى لتكون عاملًا مؤثرًا في المشهدين السياسي والاقتصادي العراقيين؛ بل لا تقوى على ذلك؛ بالنظر لطبيعة مكونات المجتمع العراقي المتآلفة والمتوائمة من جهة، ولمستوى الغنى بالثروات والإنتاجية في كافة القطاعات الذي يتميز به العراق بوصفه بلدًا منتجًا من جهة أخرى، لكن ما الذي يحصل؟! شلة اللصوص من الأحزاب والشخصيات التي مُنحت بسطوة الاحتلال المزدوج أدوات الاستحواذ على السلطة تؤدي مهمة أوكلت لها؛ جُلّ مقصدها وغاية أهدافها تدمير اقتصاد العراق بالفساد لتسهل سرقته، وتفكيك مجتمعه وإشغاله بالنزوح والحاجة الدائمة للخدمات ليتسنى لمشاريع الاحتلال التثبت والرسوخ، وهذه هي قضية العملية السياسية الأولى، والله غالب على أمره.