|

حقوق الإنسان في العراق.. بين يوم عالمي وواقع منسي

بقلم : جهاد بشير

على الرغم من أن الأمم المتحدة خصصت ذكرى اليوم الذي تم فيه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من كانون الأول/ديسمبر عام (1948م) لتجعلها مناسبة سنوية تحت مسمى : “اليوم العالمي لحقوق الإنسان”؛ فإن بعثتها في العراق تعد من أكثر الشهود زورًا فيما يتعلق بالانتهاكات التي طالت حقوق الإنسان خاصة ومختلف أنواع الحرّيات بشكل عام ولا سيّما تلك التي تمارسها الأجهزة الحكومية والميليشيات.

وفي الأيام القليلة الماضية وافق حلول المناسبة جدل مفتعل بشأن المغيبين والمختطفين في العراق الذين فقدوا إبان العمليات العسكرية التي شهدتها مدن ومحافظات عديدة في البلاد، وكان جُلّ منطلقاتها وأهدافها طائفية أو عرقية حينما جاءت تحت ذريعة “محاربة الإرهاب” وهي تهدف أصلاً إلى تأسيس وتنفيذ مشروع التغيير الديموغرافي، وسلخ الهوية الثقافية للمجتمع العراقي في مناطق الاستهداف.

السياسيون الذين حاولوا التسلق على أكتاف عشرات العائلات التي تبكي أبناءها المغيّبين بإعادة الحديث المفرغ من المحتوى بشأن واحدة فقط من بين عشرات الحالات المماثلة؛ هم أنفسهم كانوا أحد أهم أسباب وقوع الانتهاكات والجرائم الممنهجة التي ارتكبتها الميليشيات وأجهزة الأمن الحكومية، إن لم يكونوا شركاء مباشرين فيها.

وحينما يظهر سياسي “سنّيّ” سبق له أن ملأ الأجواء ضجيجًا وهو يهدد من يحاول المساس بالمحافظات “السنيّة” بـ”كسر الظهر” ثم لم يلبث حتى أُلجم بسطوة الميليشيات وهي تستعرض طائفيتها في محافظته وتمارس الانتهاكات في وضح النهار بعد بضعة أيّام دون أن يستطيع قول شيء فضلاً عن أن يفعل؛ لن يكون قادرًا على شيء معتبر حينما يعيد فتح ملفات المغيبين مستثمرًا اليوم العالمي لحقوق الإنسان بتصريحات هوائية وانفعالات هُلامية لا تسمن ولا تغني من جوع، إذ لم تكد تمر ساعات معدودة على تصريحاته الأخيرة بشأن مصير عشرات المفقودين الذين يُرجِح بنفسه أنهم قتلوا؛ حتى ظهر نكرة طائفي من إحدى فصائل الميليشيات ليقول بكل وقاحة إن من يتحدث عنهم هذا مجرد “إرهابيين” لا يستحقون غير القتل! وكالعادة مضت الأمور وكأن شيئًا لم يكن، ولم يترك السياسي الذي يمارس التبعية شيئًا من تصريحاته ذات الظاهرة الصوتية المجردة عن الفعل إلا آلامًا وحسرة في قلوب مكلومة لأمهات ونساء ما زلن يبحثن عن بصيص أمل بشأن مصير أبنائهن أو أزواجهنّ.

المجرمون الذي أوغلوا في الانتهاكات ذات الدوافع الطائفية، ما زالوا يتمادون فخرًا بجرائمهم أمام أنظار وأسماع الأمم المتحدة، التي لا تملك ممثلتها كما جرت عادتها في إحاطاتها الدورية أمام مجلس الأمن، غير النفاق القبيح بالتعمية على حقائق النظام السياسي القائم في العراق المتورط الرئيس في تفاقم جرائم انتهاكات حقوق الإنسان، ومداراة الميليشيات الطائفية التي فاقت انتهاكاتها وجرائمها الممنهجة كل تصور أو وصف، وتعيد الترنيمة ذاتها بشأن دعم حكومة بغداد والاكتفاء بحثّها على “التحقيق” في الجرائم التي لا يجرؤ أحد من داخل الوسط السياسي أو خارجه أن يقول إنه يعرف عددها أو يستطيع حصره.

أما الشركاء الببغاوات المستثمرون للمناسبات العامة التي يحاولون فيها الركض ضمن مساحات خالية لاستجلاب نوع من الظهور وإرسال رسائل بأنهم قائمون على مصالح الناس؛ فإنهم أحط رتبة من يكون لهم دور في إدارة الشأن العام أو البحث عن حقوق العراقيين وخاصة المغيبين منهم وذويهم، والنازحين ومستقبلهم، والطبقة الفقيرة المعدمة التي تمثل السواد الأعظم من العراقيين ممن ينظرون إلى واقع حالهم فيجدون أنفسهم مقيدين بأغلال الغلاء والفقر، ودمار البنى التحتية، وغياب الرعاية الصحية، وتفشي البطالة، والجهل، وانتشار المخدرات، وضياع الحقوق، وغير ذلك من صور البأساء التي بات “حقوق الإنسان” فيها مصطلحًا يبعث على السخرية والتندر تارة، وعلى الألم والحسرة تارة أخرى، تحت مظلة فساد حكومي يغشى العراق من فوقه ومن أسفل منه.

مزاعم التباكي على حقوق الإنسان لدى فئة السياسيين وأحزاب الشراكة المتشاكسين داخل النظام القائم -التي توصف بأنها الطبقة الأكثر كذبًا ورياءً في العراق – سرعان ما تتلاشى حينما تحضر ابتسامات عريضة وتهانٍ حارة تزدحم بها صفحاتهم وحساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي على نتيجة مباراة في مونديال كأس العالم، في منشورات تعكس سذاجة إعلامية وتخبطًا سياسيًا صادرَين عمّن هم غير مؤهلين لتقديم شيء نافع لبلدهم وأبناء شعبه، في مقابل مواقف تافهة وليست بذات قيمة أو اعتبار يوجهونها لآخرين ضمن ميدان مغاير تمامًا لمضمارهم، واللافت في هذا الأمر كله؛ أن الذين تُوجَّه لهم التهاني في هذا الشأن لا يعيرون لمهنئيهم اهتمامًا ولا يعرفون عنهم شيئًا في الأصل، والله غالب على أمره.

Similar Posts