تركستان الشرقية.. بين الأمّة وقضاياها المنسية
بقلم : جهاد بشير
تحت وسم “الصين تُبيد مسلمي الأويغور” شهدت مواقع التواصل الاجتماعي في الأيام القليلة الماضية حملة إسلامية التوجه والمسار؛ لنصرة المسلمين المضطهدين في تركستان الشرقية بعدما فرضت سلطات الصين حصارًا على مدينة فيها تسمى “غولجا” منذ ما يقرب من شهرين، وحظرت إدخال الطعام إلى الأهالي الذين باتوا يواجهون صورًا أخرى من التعذيب والتنكيل، علاوة على ما يعانوه ابتداءً من انتهاكات توازي بفظاعتها ما حصل للمسلمين في محاكم التفتيش بالمقارنة مع الزمان والمكان.
ومثلما هو معتاد؛ لم يكن لحملة نصرة الأويغور صداها المأمول في أوساط الأمّة أو في ميادين الإنسانية وحقوقها التي تُرَوّج مكذوبة في وسائل الإعلام ويُعمل بها ضمن سياسة الكيل بمكيالين، فهي – أي: حقوق الإنسان في منظور العالم ورأيه العام – تُطلق على أنشط ما تكون حينما يتعلق الأمر بفئة شاذة أو تجمع يريد أن يروّج الباطل المناقض للفطرة تحت مسمى الحريّة؛ بينا تكون منافسة بجدارة لأهل القبور في صمتهم وأجداثهم حينما يتعلق الأمر بأقلية مسلمة أو مجتمع يدين بالإسلام، يطالب بحقوقه في الحياة والكرامة، فيُردُّ عليه بالتنكيل والإبادة.
سياسة القتل بالتجويع التي تمارسها الصين تجاه الأويغور المسلمين في تركستان الشرقية؛ نمط قديم في محاربة الإسلام وأهله؛ ومن يتتبع أساليب أعداء الدين يجده هذا النمط متأصلاً عندهم منذ بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما حاول المشركون قتل المسلمين بالتجويع والحصار والسجن في شعب أبي طالب، ولكن الأمّة اليوم – مع الأسف – لم تكتفِ بالعجز عن تحريك ساكن، بل تلاشت من ذاكرتها أساليب العدو، فانعدمت عندها رؤى الحل ودوافع المواجهة.
وقد سبق للأمّة خذلان شعب العراق الذي خضع للموت الممنهج في تسعينات القرن الماضي تحت مظلة الحصار الاقتصادي الذي استمر ثلاث عشرة سنة وأهلك حرث العراق ونسله قبل أن ينتهى باحتلال ودمار قضى على ما لم يفلح بإبادته، ثم أدخل العدو – والأمة تتفرج – قطاع غزة وأهله على خطوط هذا النمط؛ من حصار وتجويع وحملات عسكرية أزهقت ما لا يُحصى من الأرواح!
وإذا أردنا تدوين كل شيء في هذا السياق؛ فإن المقام يطول زمانًا ويتسع مكانًا إلى ما لا يقف عند حد معين، ومن يطالع التاريخ الحديث على مدى العقود التي أعقبت الحرب العالمية الأولى لا يجد في العالم الإسلامي بقعة جغرافية أو فئة مجتمعية أو أقلية عرقية لم تلاقِ اضطهادًا غير جامح، أو احتلالاً غير منقطع، في حرب صريحة ومعلنة على الإسلام لتجريده من وصفه دين الحياة ومنهجها الذي لا يليق بانتشالها من براثن الدونية الغارقة فيه سواه، ولكن الأمّة – مع شديد الأسف – لا ترعوي عن الخذلان أو الخضوع، فضلاً عن العجز في التحضير لحراك معتبر يعيدها إلى الريادة كما كانت!
وحينما نتحدث في تأصيل هذه المآسي عن الأمّة؛ فإن المقصود بها مستويان من التخصيص؛ أحدهما: الأنظمة التي أدمنت الانصياع للغرب ومارست وسائل مخزية في تحقيق مقاصد العدوان وأهدافه في العالم الإسلامي، وهي وإن كانت تحكم بغير ما أنزل الله إلا أنها تُشمل في الخطاب الأممي لأنها واقع حال مفروض على الأمّة، وهي وإن كانت لا تحقق في أي منها وصف ولي الأمر بمعناه الشرعي وضوابطه مطلقًا؛ فإنها مطوّقة بدائرة المسؤولية والمحاسبة.
والمستوى الآخر: الشعوب والمجتمعات – ليس على صيغة التعميم التام بل على وفق ما هو حاصل من الأعم الغالب – فإنها كانت إلى وقت قريب تكتفي بالعاطفة لتبرر عدم مقدرتها على النصرة، وتحاول إقناع نفسها أنها فعلت ما عليها بمجرد الحديث المتباكي المعبر عن التضامن مع المضطهدين من أبناء جلدتها، أو التوصيف الساخط والناقم على ذوي الطغيان والظلم، وقد يطيب لبعض من يريد تبرير نكوصه وخذلانه أن يُخرج قول الله تعالى: (قالُوا مَعذِرَةً إلى رَبِّهِمْ) عن سياقه ويصرفه عن مقصده؛ للتعبير عن موقف لم يرقَ إلا لكلمات أدلى بها في إطار العاطفة الوقتية المجردة عن الأفعال والقرارات المصيرية الناجزة، وهذا كلّه كان السقف الذي تبلغه شعوب الأمّة وهي تتعاطى مع قضاياها الكبرى التي لا تُدرك في الحقيقة إلا بعدما تعطف وسائل الإعلام الموجّه على الجماهير حينما توردها في سياقات سياسية محضة، أو وفق مصالح ومكاسب تريدها القوى العظمى وهي تضغط على خصومها، تمامًا كما فعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها تجاه الصين بالكشف عن معسكرات تعذيب المسلمين الأويغور قبل سنوات خلت دون أن تقدم شيئًا لإنقاذهم، أو تضع حدًا لمأساتهم، وكل ما في الأمر: كان تسليط واشنطن ومن معها الضوء على هذه القضية لتحقيق خطوة تسبق بها بكين وتفرض عليها علو كعب.
لقد باتت شعوب الأمة اليوم في حالة من الخذلان تجعل السقف المذموم الذي أشرنا إليه آنفًا إنجازًا عظيمًا، وهدفًا مرجوًا؛ فقد فضحت وسائل التواصل الاجتماعي ومثلها وسائل الإعلام فئامًا من الناس المحسوبين على هذه الأمّة وهم يصطفون علنًا مع الطغاة في معسكر الباطل ضد المضطهدين من إخوانهم المسلمين، والأمثلة على ذلك غزيرة؛ فمن هم من يرفع شعارًا يتبرأ فيه من فلسطين ويقول: إنها ليست قضيته، ومنهم من يشمت بالعراق ويتعاطى مع حكوماته المتعاقبة الظالمة التي أجرمت بحق أهله أيّما إجرام بطائفية متسخة تستدعي فيها الأكاذيب من التاريخ وتفرضها على واقع العراقيين ثم تريد أن تقتص منهم بسببها، ومنهم من يقول: إن ما تفعله الصين تجاه الأويغور حق لها وشأن لا نتدخل فيه، بل يعيب مستهزئًا على من يبدر منه مجرد أمل -وهو في الحقيقة حلم – في أن يتخذ الرأي العام موقفًا من شأنه أن يأخذ على يد بكين ويردعها.
وإذا كانت الشعوب والمجتمعات قد بلغت هذا الحد من الضعف والهوان، فإن الحديث عن سلاح المقاطعة -بجميع مستوياتها – الذي جُرّب تجاه فرنسا والهند وغيرهما فأثبت فاعليته؛ يعود ليكون أضعف إيمان يمكن أن تبادر الأمّة لمواجه الصين والولايات المتحدة به على السواء، فإنه نقطة في رأس سطر ربما تجد أغلب الناس يقابلها بسخرية ويطرح السؤال التافه المعهود: “ما هي جدوى المقاطعة؟!” ولكنها مبادرة يجدر بمن كان يرجو الله واليوم الآخر أن يتبناها، ليتحرر من قيود الحياة القائمة على المادية المحضة ولا يعلق أهدافه ومقاصده على عيش قائم على مأكل وملبس فقط، فإن سلوك الطريق نحو معالي الأمور يبدأ عند التحرر من سفاسفها.
ورغم أن الأمّة غارقة في أعماق التيه، وضائعة بين لجج الأحداث والقضايا التي تتعقد مع تعاقب الزمن، وحال شعوبها يتمادى في النزول والتهاوي؛ فإن ثلّة من أبنائها ما تزال مؤمنة بعمق وصدق، ووفيّة مخلصة لمنهج ربّها الذي ارتضاه لها، يمكنها أن تبدأ مرحلة تربية وإعداد جديدة، وتبعث في العالم الإسلامي نواة جيل قادر على التغيير والبناء واستعادة الريادة، والله غالب على أمره.