|

ميدان غزة والمواقف المكذوبة

بقلم : جهاد بشير

تعود غزة المصابرة إلى المشهد مجددًا رغم أنها لا ينبغي أن تغيب عنه في كل الأحوال، ولكن الواقع المؤسف الذي تمر به الأمّة اليوم يلقي بظلاله على أبنائها الذين لا تنصرف أذهانهم إلى قضاياها إلا بعد أن تشتد أزمة أو يكون للأحداث حضور إجباري في وسائل إعلام باتت بطروحاتها الموجّهة هي المتحكم بسلوكيات الناس ومواقفهم وحتى في مشاعرهم.

عدوان الاحتلال الصهيوني الجديد على غزة جاء بعد مدّة وجيزة جدًا من “قمّة جدة” التي عقدت  في سياق جولة الرئيس الأمريكي “جو بايدن” في المنطقة التي ابتدأها بالنزول في الأراضي الفلسطينية المحتلة مستهلاً ذلك  بطقوس أدّاها وهو يرتدي الزي اليهودي أمام النصب التذكاري لما تسمى “المحرقة اليهودية”، وهو الذي سبق له أن صرّح قبل سنوات قائلاً عن نفسه: “ليس عليك أن تكون يهوديًا لكي تكون صهيونيًا.. أنا صهيوني”!

في هذه الجولة التي وصفها مسؤولون في كيان الاحتلال بأنها “رحلة سلام تنطلق من إسرائيل إلى السعودية”؛ وُضعت العديد من الخطط قصيرة المدى، وتورطت الأنظمة المحليّة في المصادقة عليها وهي تلبي نداء واشنطن لعقد القمة التي ما ظهر شيء من آثار مخرجاتها المعلنة حتى الآن، في تصديق لا يشوبه تدليس بأن مجرياتها لم تكن تعنى إلا بالمحافظة على أمن كيان الاحتلال، وأن أكذوبة استهداف إيران مجرد ورقة رخيصة المحتوى تُسوّق لتكون وسيلة تلاعب وصرف للأنظار عن حقائق تمت مناقشتها في جلسات مغلقة أعلن عن انعقادها على هامش القمة نفسها.

ولما كان الرأي العام العالمي، فضلاً عن الإقليمي موغلاً في نفاقه في التعاطي مع الأحداث ما بين معطٍ لحق الأوكرانيين ومروّج لمظلوميتهم، وما بين متجاهل لدماء الفلسطينيين وداعم للاحتلال الصهيوني في عدوانه عليهم الذي يصفه ذوو الضمائر النافقة بأنه جزء من “حق الدفاع عن النفس”؛ تبقى الأمة غارقة في أوهام وسذاجات يُراد لها أن تكون الحقائق الوحيدة التي تؤمن بها ولا ترى إلى غيرها سبيلاً، وليس أظهر على ذلك من ردود الأفعال التي صدرت تجاه العدوان على غزة التي لم تكد تتجاوز كلمات محدودة في وسائل التواصل أو نشرات الأخبار، وربما بعض الدموع التي ترافق مشاهد جثث الأطفال وهي تُنتشل من تحت أنقاض المباني السكنية التي دمّرها قصف الطيران الحربي لجيش الاحتلال.

وبمقابل نفاق الرأي العام؛ يظهر خذلان الأدعياء الذين يحاولون زج أنفسهم قسرًا بالانتماء إلى الأمة، وتظهر افتراءات المتنطعين – الذين يسوقون الوهم تحت مظلة القضية الفلسطينية – على حقيقتها حينما ظهروا منزوين صامتين كأنهم من أصحاب القبور، فاختفت شعاراتهم الهلامية، وطُمست ظواهرهم الصوتية، ولم يعد في طروحاتهم شيء يمت إلى فلسطين بصلة، فضلاً عن أن يكون لهم تحرك معتبر أو إنجاز ميداني كما كانوا يصرخون تباهيًا بقدراتهم على تحرير القدس والمسجد الأقصى المبارك!

وحتى تنجلي الأوهام والسذاجات التي أشرنا إليها آنفًا من عقول وأذهان كثير من أبناء الأمة؛ عليهم أن يرصدوا ما حصل في هذه الجولة من تمايز في الصفوف وجلاء في الحقائق والمواقف ليدركوا أن إيران وأشياعها لم ولن يكونوا يومًا مؤهلين لنصرة الأقصى والمدينة المقدسة وعموم قضية فلسطين؛ لأن الذي يسترخص دماء المسلمين في سورية والعراق واليمن لن يضع اعتبارًا لدماء إخوانهم في فلسطين، ولمقاصد سنن الله الجارية في خلقه دلالات واعتبارات أظهر من أن يطول كلام بشأنها.

ولما كان الحديث في هذه الزاوية معتادًا ألا يغفل المشهدَ العراقي قدر الإمكان؛ فإن للنظام السياسي في بغداد الذي زعم كاذبًا منذ حين الحديثَ عن قانون تجريم التطبيع مع الاحتلال الصهيوني، موقفًا أكثر خزيًا من مواقف أسياده في واشنطن وطهران، فإذا كان وزير الدفاع الأمريكي قد أعطى لنظيره الصهيوني الضوء الأخضر للعدوان على غزة وعبر عن دعم الولايات المتحدة له، فإن الكاظمي بنفسه أقر على هامش “قمّة جدة” بأن للولايات المتحدة على حكومته والحكومات التي سبقتها تعاقبًا في العراق فضلاً كبيرًا لأنها تقدم الدعم العسكري والسياسي لها، ولمّا كان الداعم واحدًا للطرفين فإن المدعومين بلا شك على خط اتفاق واحد.

وأمّا نظام طهران فلم يُسمع منه شيء ذو صدق تجاه غزة في مشهدها الأخير؛ لسببين اثنين: أحدهما: لأن العدوان إنما وقع بصفته واحدًا من المخرجات العملية لـ”قمة جدة” التي لم تلمس شعرة واحدة من إيران كما زعم المؤتمرون في حينها، بل جاءت في سياق معروف ومستمر لدعم الكيان الصهيوني المحتل بمحاولة إضعاف المقاومة الفلسطينية وإشغالها بتبعات العدوان أو محاولة تأليب الرأي الشعبي عليها من جهة، ولتعزيز أهداف واشنطن التي تربطها بطهران مصالح مشتركة في المنطقة من جهة أخرى. والسبب الآخر: لأن العدوان مرتبط كل الارتباط بملف المفاوضات الأوروبية مع إيران؛ حيث يبدو أن رغبة التصعيد وافتعال الأزمات هي نقطة التقاء بين الجانبين الإيراني والصهيوني.

ويظهر أن هاتين الجزئيتين من معادلة الصراع غابتا تمامًا عن الجميع – راصدين ومتفاعلين مع الأحداث -إلا عن هيئة علماء المسلمين في العراق التي عبّرت عنهما في بيانيها (1500) و(1503) بوضوح وبرؤية لا تنقصها دقة استشراف.

ولعل من حسن الختام في الحديث عن غزة والعدوان عليها وما يتصل بواقع حال الأمة المؤسف، استحضار مقولة الروائي المصري (عزت القمحاوي) الذي علّق على تسمية العملية العسكرية لجيش الاحتلال الصهيوني قائلاً: “الدولة الكاذبة تُسمي عدوانها على غزة بـ “الفجر الصادق”.. ‏الطارئون على التاريخ والجغرافيا لا يكفُّون عن اغتصاب اللغة”! هذا واقع الحال ولكن الله غالب على أمره.

Similar Posts