العراق .. واتساع دائرة الخطر
بقلم : جهاد بشير
تعود إلى المشهد السياسي في العراق دعوات تنصيب نوري المالكي رئيسًا لحكومة احتلال أخرى، في مقترح معلوم الدوافع والمقاصد بعدما بلغت الخلافات بين كتل العملية السياسية ومكونتها مستوى يمهد لتجديد تفشي الفوضى على نحو غير مسبوق .
رغبة “الإطار التنسيقي” الذي يضم حزمة من القوى ذات الميليشيات الطائفية؛ تنصيبَ المالكي ليكون رئيس وزراء للمرة الثالثة في تاريخ العلمية السياسية يعني أن مساحة الخطر رغم ترامي أطرافها ستتضاعف أكثر من أي وقت مضى، وهذا من شأنه أن يبعث برسائل نحو المنطقة والإقليم بأن مستقبلهما لن يكون كما ترجو الشعوب أو الأنظمة – بصرف النظر عن مستوى هذا الرجاء ونوعيته – في وقت أخذت سياسة تبادل المنفعة الأمريكية الإيرانية تزداد عمقًا وتأثيرًا في العراق ومحيطه.
وقد سبق للنظام العربي الرسمي أن تجاهل تحذيرات جادة وصادقة بشأن الخطر الشديد الذي يؤول بالمشهد المحلي في العراق والإقليمي في المنطقة وما يتصل بها؛ نتيجة مخطط المالكي وحزبه على وجه الخصوص والرؤية الإيرانية بشكل عام، ففي أيلول/سبتمبر 2010م، وكانون الثاني/يناير 2014م؛ تحدّث الأمين العام الراحل لهيئة علماء المسلمين في العراق الشيخ حارث الضاري – رحمه الله – بكل صراحة مخاطبًا العرب بأن ثمن تنصيب نوري المالكي رئيسًا لحكومة بغداد سيكون شرًا على العرب وعلى الجوار كلّه، وأن نوري وميليشياته بؤرة للإرهاب والطائفية اللتين يستخدمهما لانتزاع هوية العراق العربية، فضلاً عن تجريده من الهوية الإسلامية بوصفه جزءًا من أمّة المسلمين، وحين يُمكّن ذلك في العراق، فإن مصير الأخير مرشح ليكون مصير من يجاوره.
وهذا ما حصل فعلاً على مدار ثماني سنوات وظّف المالكي فيها طائفيته وسياسة الكره التي تقوم عليها أفكارُه في تدمير العراق على كافة المستويات بدءًا من الاتجاه الديني والثقافي والقيمي، ومرورًا بالجانب السياسي والاقتصادي، وليس انتهاءً بالمشهد الميداني الأمني الذي ثبّت فيه شماعات “الإرهاب” مستخدمًا إيّاها لتمرير سياسة طائفية ومشروع ديموغرافي بانت نتائجه اليوم على أقبح صورة.
ومنذ وقت مبكر جدًا حذّر الشيخ الضاري – رحمه الله – من أن اللاعبين الرئيسين في العراق – الولايات المتحدة وإيران – هما من يتحكم بشكل الحكومات ويمتهنان تفصيل ثياب السياسيين الذين يتم إبرازهم في المشهد، وإظهارهم على الواجهة؛ ولكن النظام الرسمي العربي لم يكتفِ بتجاهل هذه التحذيرات، بل راح يتعاطى مع حكومات الاحتلال، ويتعامل معها وكأنها حكومات شرعية معتبرة، حتى قاد ذلك إلى وضع كارثي على مستويات الاقتصاد والسياسية والأمن، أو هو أقرب للكارثة؛ في جميع بلاد العرب ولا سيّما التي تجاور العراق، أو التي يكون العراق هو الممر الفاصل بينها وبين تغلغل إيران وصناعتها مسارات للنفوذ.
واليوم حين يُراد ترشيح نوري المالكي مجددًا ليتولى منصب رئيس الحكومة، وليكمل مشروع إيران المرضي عليه أمريكيًا في المرحلة الحالية، يكون حريًا بمن يرغب صادقًا أن ينتشل واقع العراق والمنطقة مما ألم بهما؛ أن يستعيد تحذيرات هيئة علماء المسلمين وشيخها الراحل ، التي صدق استشرافها، ووقعت مآلاتها تمامًا كما تصوّرها متبنّوها، وهذا كلّه يدعو إلى وجوب النظر والتحليل لمعرفة طبيعة ثوابت القوى العراقية المناهضة للاحتلال – والهيئة في طليعتها – ووسائلها في قراءة المشهد، لأنها الوحيدة التي أعطت تصورات وتوصيفات لحقيقة ما يجري في العراق وسلّطت الأضواء بوضوح على ما يمكن أن تؤول إليه أحداث البلاد، وحيث وقع ذلك كلّه وتحقق؛ يكون هذا النظر واجب الوقت على المفكرين والسياسيين وصنّاع القرار، لأن استمرار لوي الرؤوس عن سماع فكرة أصحاب النهى مظنة للتهاوي نحو قعر أعمق والانحدار في أزمات أكثر تعقيدًا وأشد ظلمة، والله غالب على أمره.