|

عائدون إلى ساحة الوهم!

بقلم : جهاد بشير

في سنة 2005 حينما طرحت العملية السياسية أول انتخابات، كانت نسبة المقاطعة فيها كبيرة جدًا، باتفاق جميع القوى التي رفضت المشاركة فيها، إلى درجة أن القوى السياسية لم تستطع تشكيل الحكومة آنذاك إلا بعدما استدعت شخصيات تتصدر المشهد تحت مسمى “السياسيين السنّة” ليكملوا عقد المحاصصة ولتظهر بذلك التشكيلة الوزارية “مكتملة” على وفق النسب التي منحت لكل مكوّن.

كان “سياسيو السنّة” وما زالوا يحاولون تسويق الوهم في أنهم أدوات جديرة بتحقيق وتحصيل حقوق “المكون السنّي” وبدأ ذلك بترويجهم كذبة تفيد بأن مقاطعة انتخابات 2005 ضيّعت الحقوق، وأن عليهم التحشيد للانتخابات الأخرى بدون إخضاع المشهد للتقييم أو مدارسة جدوى المقاطعة التي بيّنت بشكل صريح وواضح من هي النسبة الأكبر بين مكونات العراقيين التي ترفض سلطات العملية السياسية إجراء إحصاء عادل وصحيح لبيانها.

هذه المحاولات تُظهر “السياسيين السنة” غير مؤهلين لإدراك أن المعادلة السياسية غير المنضبطة تستخدمهم لانتزاع اعتراف وتوازن بشرعية الانتخابات والحكومة فقط، ولا سيّما بعد نحو عشرين سنة لم يسترد السنّة في العراق حقًا مغتصبًا، ولم يتمكن من يدّعون أنهم ممثلوهم من المحافظة على ما تبقى من مكتسبات عمل مشروع المقاومة العراقية في سنوات الاحتلال الأولى على المحافظة عليها ومنحها قوّة إسناد، قبل أن تُطعن الفصائل في ظهرها بحراب أولئك السياسيين قبل الخصوم والعدو.

ومنذ ذلك الحين، يتمادى أولئك في الانغماس في العمل السياسي في ظل مشروع الاحتلال الأمريكي، ويرفضون التعاطي المفضي إلى فهم خيار المقاطعة بوصفه سلاحًا مضادًا للمشروع السياسي الطائفي والذي له أكبر الأثر في الإطاحة بالمنظومة التي ما زالوا يتحدثون بأنفسهم أنها إقصائية في منهجها، وتعتمد التهميش في سلوكياتها، في مواقف متناقضة باتت مألوفة في المشهد السياسي العراقي.

واليوم وبعدما دخلت العملية السياسية في أزمة مشابهة بسبب اتساع مساحات المقاطعة الشعبية لمسرحية الانتخابات الأخيرة، ظهرت جولات جديدة في سياق تبادل المواقع وإعادة تنصيب شخصيات على حساب أخرى، وبينما تمور الخلافات بين أحزاب إيران وميليشياتها بشأن نسبة الحصص وكمّ المصالح التي يريدها كل طرف، اقترب النظام من الهوّة أكثر من أي وقت مضى، ليعود المشهد إلى سلوك المنهجية ذاتها باستقدام شخصيات قبلت سابقًا أن تكون شاهد زور يمنح المنظومة شرعية موهومة ثم رُكلت منها بعد حين عندما وجد المتحكمون أن وظيفة هذه الشخصيات قد انتهت، فلما عاد المشهد إلى ما يشبه سابقه، وجدت العملية السياسية الشهود أنفسهم جاهزين لانتشالها من جديد، فجاؤوا راكضين نحوها بعد أول تلويح.

العائدون إلى ساحة الوهم، يثبتون أنهم عُبّاد مصالح، وأنهم خاضعون للسّوْق والإذلال والقبول بكل ما يريده شركاؤهم الذين طردوهم من قبل بعدما ورطوهم بملفات “إدانة” ثم تغاضوا عنها حينما باتوا بحاجة لهم، وهذه النماذج أبعد ما تكون عن أهلية الثقة والجدارة في تحقيق شيء يمني به بعض الناس أنفسهم.

وفي الوقت الذي تبقى أوراق الضغط حاضرة لإجبار شهود الزور على الانقياد والتحكم بمساراتهم السياسية التي ستكون خاضعة أكثر من أي وقت مضى خوفًا من إعادة تفعيل ملفات “الإدانة” التي قد تعيد رميهم مرّة أخرى؛ يتضمن المشهد برمّته اعترافًا صريحًا بفشل الانتخابات، وبأن المقاطعة أربكت الحسابات، واضطرت أدوات النظام إلى البحث عن ترقيعات تحافظ على نمطية المحاصصة.

Similar Posts