|

الطارئون وحكومة الطوارئ

بقلم : جهاد بشير

الوضع الطبيعي للعملية السياسية في العراق هو أن تكون الفوضى طاغية على المشهد، وأن ما تُسمّى توافقات أو تفاهمات سياسية إنما تكون في مساق صراع قائم على محاولات الإزاحة والتغليب، وإذا لمن يكن الأمر جاريًا على هذه الشاكلة فإن ذلك يعني أن النظام يعاني مشكلة بنيوية أو إجرائية؛ لأنه في أساس تكوينه يقتات الفوضى ويعتاش على الأزمات.

ولا أحد يَتصوّر أن تجري في العراق انتخابات معتبرة أو تُصاغ حكومة ما بطريقة منضبطة؛ إلا إذا كان مخضرمًا في عالم الوهم، أو نفعيًا يروّج بضاعة فاسدة لا قِبَل لذي عقل أو صاحب منطق بالتعاطي معها؛ إذ بعدما بلغ الخصام بين مكوّنات العملية السياسية مستوىً جعل أحد أطرافها يصف فشل انعقاد جلسة مجلس النوّاب بـ “الانتصار”، فإن ذلك يعكس واقع حال أفرزته المآلات التي يمور بها النظام وكتله وأحزابه والذي بات مغمورًا في مستنقع من الشناعة والاعوجاج الذي لا ترجى استقامته.

وبعيدًا عن حقيقة الصراع بين طرفي اللعبة الذين استقطبا المشهد بعد الانتخابات الموصوفة هزلاً بـ”المبكرة”؛ فإن مما طُرح في الوسط السياسي على أنه نوع من محاولة تحجيم دائرة الخلاف بين الشركاء بعد فشل اتفاقهم على تسمية رئيس الجمهورية وما صاحب ذلك من مسارات مغلّقة تتعلق بالحقائب الوزارية وتحاصصها؛ فكرة اللجوء إلى حكومة طوارئ، في واحدٍ من أكثر الطروحات مدعاة للسخرية.

الحقيقة التي ينطوي عليها المشهد العراقي هو أن القائمين على النظام المتحكَّم به دوليًا وإقليميًا، مجرد طارئين وأدوات مرحلية مؤقتة غير مؤهلة لتكون أساسًا يُبنى عليه نظام معتبر، سواء كانوا أفرادًا، أو كتلاً حزبية، أو قوى سياسية، ولا ينفك عنهم هذا الوصف رغم تقادم وجودهم في المشهد على مدى عقدين من الزمن؛ لأن مما هو معلوم بالبداهة أن طوال المكث أو الاستمرار لا يمنح وصف الحق ولا يعطي دليلاً على الأهلية، فضلاً عمّا هو مشاهد ومشخص في الواقع بأن هذه النماذج إنما بقيت شاخصة بسبب اتكائها على القوى التي تريد لهذا النظام البقاء بأي شكل كان وتحت أي ظرف لغايات وأهداف مصلحية متعددة الوجهات، بمعنى أنهم مرتبطون وجودًا وعدمًا بمقاصد قوى التحكم ومرحليات مشروعها.

فكيف إذن يُستساغ أن يجنح طارئ في وجوده وفي مشروعه بالبلاد إلى حالة طوارئ، تعمل على زيادة طرقات معاول الهدم وتودي بها إلى دركات أعمق في واقعها المحطم أصلاً؟!

وحيث لا مكان للعقل أو المنطق في مسلكيات العملية السياسية؛ فإن طروحات الذهاب إلى حكومة طوارئ يمكن أن تبدو أكثر رواجًا في الأيام المقبلة في حال استمرت موجة الخلاف بين الإطار الميليشياوي وتيار الصدر، علاوة على أن شريكي التخادم المتحكمين بالمنظومة لا يعارضان هذا الخيار طالما يحقق – مرحليًا – حزمة أخرى من المكاسب.

قيام حكومة طوارئ في نظام سياسي مبني على فكرة المحاصصة، وتتفاوت فيه حصص المكونات بشكل غير نسبي؛ يعني تولّد أزمة داخل أزمة، وحصول تعقيد لحالة الفوضى المعقدة في أصلها وفي مخرجاتها، ومع تنطع طهران وسلوكها أعمالاً ميدانية تستهدف فيها مواقع ومنشآت متعددة، بموازاة عمل ميليشياتها على أكثر من صعيد واتجاه، وكل ذلك في سياق ضوء أمريكي أخضر؛ فإن العراق ينتظر إعصارًا جديدًا المتضرر الوحيد من تبعاته السياسية والأمنية والاقتصادية هو الشعب العراقي، بينما يظفر السياسيون بملاجئ ومغارات يتبادرونها وهم يجمحون.

Similar Posts