من سامراء إلى الموصل .. أوقاف المسلمين ومساومات السياسة الطائفية
بقلم : جهاد بشير
تتجه مدينة الموصل نحو ما انتهت إليه مدينة سامراء، وغيرها من المناطق التي تحيط بالعاصمة بغداد من اتجاهاتها الأربع، حيث يُمارس فيها عمل طائفي ممنهج، وتوضع أملاك الأوقاف فيها وأمواله على طاولة المساومات السياسية، في سبيل تحويل هوية المدينة إلى صبغة تريدها إيران بواسطة أدواتها من الأحزاب السياسية والميليشيات التي تسطو على المدينة وغيرها وتبث فيها سمومها الطائفية.ولو كان الأمر متعلقًا بمخطط مشروع التغيير الديموغرافي المعروف لدى الجميع والجهات التي تقف وراءه وتعمل على تنفيذه؛ لكانت مناقشة الأمر لا تتطلب كثيرًا من الجهد في الرصد والرؤية والتحليل، ولكن المشكلة تتفاقم حينما يكون أحد أطراف هذا المشروع هو إدارة ديوان الوقف السنّي؛ تلك المؤسسة التي منذ شكّلها الاحتلال وهي تتقلب في لجج الفساد وتتدخل في أدوار وقضايا ليست من اختصاصها ولا يُتصوّر عقلاً أنها مؤهلة لها، من قبيل محاولات التحكم في المجتمع “السنّي” وفرض إجراءات سلطوية على أئمة وخطباء المساجد تتعلق بالانتخابات والمشاركة في العمل السياسي تحت مظلة النظام، والخوض في الفتاوى والشؤون العامة بمغالطات وأهواء؛ رغم أن من المعلوم بداهة أن وزارات الأوقاف ودواوينه على مدار التاريخ مختصة بالعناية بالأملاك الوقفية وحمايته وصيانة أموالها، دون أدنى حق في التدخل بقضايا فكرية أو سياسية، فضلاً عن الرؤية الشرعية والفتاوى الدينية.وإذا كانت الإدارات المتعاقبة على ديوان الوقف السنّي قد تورّطت في بيع مدينة سامراء وتحويل عشرات الأملاك إلى نظيرتها في الوقف الشيعي المرتبط ابتداءً بالنظام السياسي القائم ولا سيّما الشق الإيراني منه؛ فإن الإدارة الأخيرة التي يحيط بها سيل من الجدل أخذت تضع مدينة الموصل وأوقافها الغنيّة على طاولة التفاوض السياسي متجاوزة حالة المحاصصة إلى درجة أكثر دونية منها، فجعلت تحوّل المباني والأراضي للوقف الشيعي راضخة لميليشيات الحشد التي ما انفكت تعيث فسادًا في المدينة بعدما أزهقت مكاتبها الاقتصادية روح الحياة هناك.ومؤخرًا برز على المشهد العراقي صراع بنمط جديد بين جهات وأحزاب تصنّف نفسها على أنها ممثلة “المكون السنّي” في العراق، ويدور محور هذا الصراع حول جزئية تافهة إذا نظرنا إليها بمقياس الواقع العراقي العام على مستوى البلاد كلّها، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا؛ وهي: من هي الجهة التي يحق لها أن تُرشح الشخص التابع لها ليشغل منصب رئيس الوقف السنّي؟!! في مشهد حزبي يحمل دلالة واضحة المعالم في أن نظام المحاصصة مسيطر على جميع من يرضى بالعملية السياسية ويؤصل للعمل وللمشاركة فيها، فضلاً عن دلالته على أنانية مفرطة لدى هذه الجهات التي تصرف وقتها وجهدها في هذا الشأن الحزبي ذ المكاسب الفئوية، بينما يموت المواطن العراقي جوعًا وقهرًا وأمنًا وفقرًا كل يوم مائة مرة!لم يكن تاريخ إدارة الأوقاف في العراق بعد الاحتلال مشرفًا في أي جزئية أو مرحلة على طول السنوات العشرين الماضية؛ لذلك فإن الفرحة غير المبررة التي صرخت بها جهات أوكلت السلطات الحكومية إليها اختيار إدارة الوقف مؤخرًا؛ دليل سذاجة عارمة، وانعكاس لقصور فهم وإدراك، لأن ذلك مجرد مكسب ظاهري لا يعدو أكثر من كونه سُحتًا سياسيًا ومغنمًا ماديًا غير طيّب ولا بلائق؛ فضلاً عن أنه في ميزان الشريعة والدين مأخذ شديد الوقع بين الناس وسيكون له من التداعيات السلبية ما يسيء إلى صورة العلماء ومنهجيتهم التي من المفترض أن تكون ربّانية في كل شيء.إن الأشخاص أو الجهات التي كانت تُمارس الرياء بشغف باسم “أهل السنّة” و”الهوية السنيّة” و”الإقليم السنّي” ثم تحوّلت إلى تبنّي “خطاب وطني” زائف بعدما حرّضت الناس على المشاركة في الانتخابات بدافع طائفي ففشلت في ذلك؛ ستكون ماثلة أمام الجيل القادم بوصفها مذنبة وغارقة في خطيئة تضييع أوقاف المسلمين في العراق وحقوقهم على كافة جوانبها: الدينية، والسياسية، والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية وغيرها، ولن يترك التاريخ لمن فرّط في ثوابت دينه وبلاده وأرضه مجالاً لرحمة أو هامشًا من عفو أو سماح.