الزيارات الإيرانية المكوكية…الأهداف والمعطيات

إياد العناز

باحث في مركز الأمة للدراسات والتطوير

تقاس العلاقات السياسية بين دول العالم وفقا لمصالحها المشتركة وآفاق التعاون بينها بما يحقق استمرار العلاقات الإيجابية بعيدا عن الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان والأقطار المتحالفة ، وأساس العلاقات قائم على بناء قواعد رصينة وركائز متينة تحافظ على ديمومة التبادلات التجارية والمالية والاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارات الميدانية بما يعزز ويرسم المفهوم الحقيقي للعلاقات ضمن مبادئ القانون الدولي والعلاقات السياسية بين بلدان العالم، وهنا تبرز الاستقلالية السياسية في رسم ملامح هذه العلاقة وتجسيدها عبر العديد من المواقف المشتركة البعيدة عن التدخل في اتخاذ القرار السياسي الوطني والنظر إلى مصالح الشعوب الحرة واحتفاظها بقدرتها على التعامل مع الأحداث والوقائع القائمة في بلدها واعتبارها شأن داخلي من الممكن تقديم بعض النصح وتبادل المنفعة وإبداء الآراء والمقترحات للتغلب على أي أزمة سياسية واقتصادية ولكن ليس بصيغة التدخل الواسع وفرض الإرادة السياسية من قبل دول حليفة او صديقة تقدم مصلحتها على مصالح الدولة التي تعيش أزمات داخلية. تبرز أهمية هذه القرارات بوجود قيادات سياسية وطنية واعية مدركة للأخطار المحدقة بشعوبها وبلدانها وعليها العمل لإيجاد حلول جذرية وصياغات فعلية للتغلب على هذه الأزمات والحفاظ على وحدة وسلامة البلاد وترسيخ مفهوم التماسك الاجتماعي والتمسك بأهداف وتطلعات أبناء الشعب، هذه المفاهيم السياسية والأهداف الجماهيرية والمواقف الشعبية هي من تحدد المسارات الحقيقية لتوجهات أي دولة تحترم سيادتها وحقوق وكرامة شعبها وتحافظ على وحدة مجتمعها دون السماح لأي طرف دولي واقليمي بالتدخل في معالجة أي أزمة تعيشها البلاد أو أي خطر يداهمها فهناك أبناء الشعب القادرين على مواجهة وحل هذه الأزمات وتوحيد القواسم المشتركة التي تحقق المصالح والمنافع الحقيقية وتساهم في تماسك وتعاضد أبناءها بعيدا عن أساليب القوة والهيمنة واستخدام أدوات الاضطهاد السياسي والتعسف الاجتماعي. تبقى جميع الحلول قائمة وبشكلها الداخلي وبما ينسجم وأهداف الشعب لتحقيق غاياته في تعزيز استقلاله السياسي والاحتفاظ بإرادته الجماهيرية وصلابة موقفه والدفاع عن قضيته وان لا يسمح للمصالح الفئوية والمنافع المادية لبعضالأحزاب والتيارات السياسية الحاكمة في البلاد أن تسود بآرائها وأهدافها بعيدا عن المصالح العليا للدولة او الأهداف المنشودة لأبناء الشعب وان تكون المفاهيم القيمية والأفكار الوطنية والمشاعر المضيئة هي من تحدد مسارات المجتمع وترسم علامات التقدم في كافة ميادين الحياة وتحقق الرفاهية والسعادة للمواطنين وأن لا تكون التجاذبات السياسية الدولية والإقليمية ومهما كانت العلاقات وطيدة بين جميع الأطراف عاملا في ضياع هوية الشعب والإضرار بمصالحه والسماح لأي جهة حكومية أو شخصية سياسية من بلد آخر بالتدخل في أي شأن داخلي يحقق لذلك البلد منافعه على حساب مستقبل وحياة مواطني البلاد وحقهم في الدفاع عن قضيتهم ومصيرهم.عندما ننظر إلى طبيعة العلاقات الدولية بين بلدان العالم وفق الرؤية التي أشرنا إليها عزيزي القارئ الكريم في مقالنا هذا، فإننا نؤرخ لطبيعة العلاقات السياسية التي أقيمت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في التاسع من نيسان عام ٢٠٠٣ وسمات وأهداف هذه العلاقات التي كانت إحدى نتائج المحتل خاصة إذا ما أخذنا ينظر الاعتبار التدخل الإيراني السافر في الشؤون الداخلية للعراق والهيمنة والنفوذ التي تمتع بها والتناغم السياسي بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية وفقا لما تقتضيه مصالحهما الميدانية وتقاسمها احتلال العراق.أوجد النظام الإيراني سلسلة من الثوابت في التعامل مع الحكومات العراقية التي تلت الاحتلال بحكم العلاقات التي تربطه ببعض مسؤولي أحزاب السلطة ومن الشخوص السياسية التي تعامل معها قبل الغزو الأمريكي وكانت تتخذ من الأراضي الإيرانية مأوى لها واتبع خطوات سياسية تمثلت في التدخل المباشر في تشكيل الحكومات العراقية ورسم معالم القرار السياسي وإعطاء دور كبير للأحزاب المتحالفة معه في حكم العراق، وهذا ما لمسناه في الزيارات المكوكية لمسؤولي النظام وخاصة القيادات العسكرية العاملة في فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني، وبنظرة ميدانية تستطيع أن نلقي الأضواء على طبيعة الأحداث المتسارعة في المشهد السياسي العراقي بعد الانتخابات الأخيرة التي أجريت في العاشر من تشرين الأول ٢٠٢١ وما الت إليها نتائجها وشكلت مفاجأة سياسية لأحزاب وتيارات لم تحظ بالأصوات والمقاعد الانتخابية التي حصلت عليها عام ٢٠١٨ وهي من القواعد الرئيسية التي تحظى بالرعاية والاهتمام من قبل أركان النظام الإيراني وهذا كان سببا رئيسيا في تكرار الزيارات المكوكية التي قام بها اسماعيل قاآني قائد فيلق القدس للعراق ولقاءاته المستمرة مع قيادات الأحزاب والتيارات المحسوبة على نظامه أو مسؤولي المليشيات الولائية المدعومة من الحرس الثوري وسعيه لإيجاد قاعدة من التفاهم وعودة التوافق بين جميع الأحزاب السياسية الشيعية والعمل على توحيد الآراء بما ينسجم وتحقيق الأهداف الإيرانية في العراق بوحدة التيار السياسي الشيعي والابتعاد عن المناكفات والصراعات الحزبية التي تضعف توجهات ومصالح إيران وأجهزتها الاستخبارية وتبعدها عن تحقيق أهدافها في رسوخ وثبات موقفها وهدفها بجعل العراق قاعدة انطلاق لتحقيق مشروعها السياسي والأمني في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي. أن أبعاد الزيارات المتكررة لقاآني خلال الشهرين الماضيين وآخرها الزيارة التي تمت قبل أيام اتسمت جميعها باللقاء مع جميع الأطراف السياسية الشيعية ومحاولة نبذ الخلافات بينهم والاتفاق على صيغة موحدة حول حل جميع المشاكل السياسية ودعم التوجه الإيراني الساعي إلى ضم القوى السياسية التي تتمتع بعلاقات وطيدة معه لأي تشكيل حكومي قادم وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، وصولا إلى حل سياسي يرضي جميع الأطراف ورغم جميع الحوارات واللقاءات ولكن بقي الخلاف السياسي قائما برفض التيار الصدري مشاركة ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي ومليشيات عصائب الحق في أي تشكيل وزاري للحكومة العراقية المقبلة لأسباب عديدة أهمها خلافات سياسية وأمنية بين الطرفين، رغم أن الإيرانيين حاولوا إفهام الأطراف السياسية المختلفة انهم يسعون إلى هدف رئيسي لهم وهو أن تدار السلطة السياسية في العراق من قبل أتباعهم وحلفائهم وأن تبقى أدوات النفوذ والهيمنة قائمة على القرار السياسي العراقي الذي يخدم الرؤى والأهداف الإيرانية في المشهد السياسي العراقي خاصة وانهم يدركون أن نتائج الانتخابات أسفرت عن هزيمة سياسية للمليشيات الولائية وبعض التيارات والأحزاب المحسوبة عليهم وأنهم يشعرون أن المستقبل السياسي لهذه الأطراف يتم بانحسار تأثيرها ومن الممكن استهداف وجودها وفقدان هيمنتها على مفاصل سياسية وأمنية واقتصادية مهمة في العراق .تبقى السياسة الإيرانية في العراق رهينة التوجهات والأهداف الرئيسية والأمنية لقيادة فيلق القدس والحرس الثوري والتي ترى أن ثوابتها الأساسية هي الإبقاء على وحدة البيت السياسي الشيعي وعدم السماح بوجود خلافات الانشقاقات سياسية تؤثر على طبيعة سياستها وأهدافها في الميدان العراقي وتعتبر هذا الأمر خط أحمر لا تسمح بتجاوزه ولهذا السبب اعتمدت مسارا جديدا وجعلت الملف السياسي الخاص بالعراق بمسؤولية قيادة الحرس الثوري الإيراني واعتباره ملفا أمنيا لخصوصيته وأهميته في المرحلة الحالية التي تشهد العديد من الأحداث التي تهم النظام الإيراني وأبرزها نتائج جولات الحوار في العاصمة النمساوية فيينا والخاصة بالبرنامج النووي الإيراني وطبيعة العلاقات الإقليمية والدولية التي تسعى إليها طهران في منحى لرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية عنها واعادة تأثيرها ووجودها في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي.

Similar Posts