من أعلام النساء: خولة بنت الأزور الكندي
بقلم : د. عدنان القطان
باحث في مركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية
من ربات الشجاعة والفروسية خرجت مع أخيها ضرار بن الأزور إلى الشام وأظهرت في الوقعات التي دارت رحاها بين العرب المسلمين والروم بسالة فائقة خلد التاريخ اسمها في سجل البواسل، أسر أخوها ضرار في إحدى الوقعات فحزنت لأسره حزناً شديداً وقالت:
ألا مخبر بعد الفراق يخبرنا … فمن ذا الذي يا قوم أشغلكم عنا
فلو كنت أدري أنه آخر اللقا … لكنا وقفنا للوداع وودعنا
ألا يا غراب البين هل أنت مخبري … فهل بقدوم الغائبين تبشرنا
لقد كانت الأيام تزهو لقربهم … وكنا بهم نزهو وكانوا كما كنا
ألا قاتل الله النوى ما أمره … وأقبحه ماذا يريد النوى منا
ذكرت ليالي الجمع كنا سوية … ففر قناريب الزمان وشتتنا
لئن رجعوا يوما إلى دار عزمهم … لثمنا خفاقا للمطايا وقبلنا
ولم أنس إذ قالوا ضرار مقيد … تركناه في دار العدو ويممنا
فما هذه الأيام إلا معارة … وما نحن إلا مثل لفظ بلا معنى
أرى القلب لا يختار في الناس غيره … م إذا ما ذكرهم قلبي المضنى
سلام على الأحباب في كل ساعة … وإن بعدوا عنا وإن منعوا منا
وقــالـــت أيـضـــاً:
أَبـعـدَ أَخي تلذّ الغمضَ عَيني
فَـكـيـفَ يـنامُ مقروحُ الجفونِ
سَـأَبـكـي مـا حييتُ عَلى شقيقٍ
أَعـزّ عـليّ مِـن عـيني اليمينِ
فَـلَو أَنّـي لحـقـتُ بـهِ قـتيلاً
لَهـانَ عـليّ إِذ هـو غـير هونِ
وَكنتُ إِلى السلوّ أَرى طريقاً
وَأعـلقُ مـنهُ بالحبلِ المتينِ
وَإِنّـا مـعـشـرٌ مَـن مـاتَ مـنّـا
فَـليـسَ يَـمـوت موتَ المستكينِ
وَإِنّـي إِن يـقـال قَـضـى ضـرارٌ
لِبــاكــيـةٌ بِـمـنـسـجـمٍ هـتـونِ
وَقالوا لِم بكاكِ فَقلتُ مهلاً
أَما أَبكي وَقَد قَطعوا وَتيني
ومن وقعاتها أن خالد بن الوليد نظر إلى فارس طويل وهو لا يبين منه إلا الحدق والفروسية تلوح من شمائله وعليه ثياب سود وقد تظاهر بها من فوق لامته وقد حزم وسطه بعمامة خضراء وسجها على صدره ومن ورائه وقد سبق أمام الناس كأنه نار، فقال خالد: ليت شعري من هذا الفارس؟ وأيم الله إنه فارس شجاع، ثم أتبعه خالد والناس، وكان هذا الفارس أسبق إلى المشركين، فحمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة فزعزع كتائبهم وحطم مواكبهم ثم غاب في وسطهم، فما كانت إلا جولة الجائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء من الروم وقد قتل رجالاً وجندل أبطالاً وقد عرض نفسه للهلاك ثم اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف وعطف على كراديس الروم.
قلق عليه المسلمون في تلك الواقعة، وقال رافع بن عميرة: ” ليس هذا الفارس إلا خالد بن الوليد، ثم أشرف خالد عليهم، فقال رافع: من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته؟ فقال خالد: والله إنني أشد انكاراً منكم له وقد أعجبني ما ظهر منه ومن شمائله، فقال رافع: أيها الأمير إنه منغمس في عسكر الروم يطعن يميناً وشمالاً، فقال خالد: معاشر المسلمين احملوا بأجمعكم وساعدوا الحامي عن دين الله”، فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة والتصق بعضهم ببعض وخالد أمامهم ونظر إلى الفارس فوجده كأنه شعلة من نار والخيل في أثره وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل، فحمل خالد ومن معه، ووصل الفارس المذكور إلى جيش المسلمين، فتأملوه فرأوه وقد تخضب بالدماء، فصاح خالد والمسلمون: ” لله درك من فارس بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته على الأعداء، اكشف لنا عن لثامك”، فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم، فتصايحت به الروم من كل جانب وكذلك المسلمون وقالوا: ” أيها الرجل الكريم أميرك يخاطبك وأنت تعرض عنه أكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيماً”، فلم يرد عليهم جواباً، فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال له: “ويحك لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك من أنت؟”، فلما ألح عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث وقال: ” إنني يا أمير لم أعرض عنك إلا حياءً منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور”، فقال لها: ” من أنت؟ فقالت: أنا خولة بنت الأزور وإني كنت من بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن ضراراً أسير فركبت وفعلت ما فعلت”، قال خالد: ” نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نصل الى أخيك فنفكه”.
قال عامر بن الطفيل: كنت عن يمين خالد بن الوليد حين حملوا، وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا: ” إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم طاقة”. وجعلت خولة تجول يميناً وشمالاً وهي لا تطلب إلا أخاها وهي لا ترى له أثراً ولا وقفت له على خبر إلى وقت الظهر، وافترق القوم بعضهم عن بعض وقد أظهر الله المسلمين على أعدائهم وقتلوا منهم عدداً عظيماً.
أقبلت خولة على المسلمين وجعلت تسألهم رجلاً رجلاً عن أخيها فلم تر من المسلمين من يخبرها أنه نظره أو رآه أسيراً أو قتيلاً، فلما أيست منه بكت بكاءً شديداً وجعلت تقول: ” يا ابن أمي ليت شعري في أي بيداء طرحوك أم بأي سنان طعنوك أم بالحسام قتلوك، يا أخي أختك لك فداء لو أني أراك أنقذتك من أيدي الأعداء ليت شعري أترى أني أراك بعدما ابداً فقد تركت يا ابن أمي في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها، ليت شعري لحقت بأبيك المقتول بين يدي النبي “صلى الله عليه وسلم” فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء”، فبكى الناس من قولها وبكى خالد وهم أن يعاود بالحملة لولا كردوسة من الروم فتأهب الناس لحربهم وتقدم خالد وخولة أبطال المسلمين، فلما قربوا من القوم رموا رماحهم من أيديهم والسيوف وترجلوا ونادوا بالأمان، فقال خالد: ” اقبلوا أمانهم وأتوني بهم” فأتوا اليه، فقال خالد: “من أنتم؟ فقالوا: جند هذا الرجل وردان ومقامنا بحمص وقد تحقق عندنا أنه ما يطيقكم ولا يستطيع حربكم فأعطونا الأمان واجعلونا من جملة من صالحتم من سائر المدن حتى نؤدي لكم المال الذي أردتم في كل سنة فكل من في حمص يرضى بقولنا. فقال خالد: إذا وصلت إلى بلادكم يكون الصلح إن شاء الله تعالى إن كان لكم فيه مأرب ولكن نحن ههنا لا نصالحكم ولكن كونوا معنا إلى أن يقضي الله ما هو قاضي”، ثم قال لهم: “هل عندكم علم من صاحبنا الذي قتل ابن صاحبكم – يعني ضرار بن الأزور-؟ قالوا: ” لعل عاري الجسد الذي قتل منا عدداً عظيماً وفجع صاحبنا في ولده، قال خالد: عنه سألتكم قالوا: بعثه وردان عندنا أسيراً على بغل ووكل به مائة فارس وأنفذه إلى حمص ليرسله إلى الملك ويخبره بما فعل”، ففرح خالد بقولهم ثم دعا رافع بن عميرة وقال: ” ما أعلم أحداً أخبر منك بالمسالك وأنت الذي قطعت بنا المفازة من أرض السماوة، وأنت أوحد وحد الأرض في الحيل والتدبير فخذ معك من أحببت واتبع أثر القوم فعلك أن تلحق بهم وتخلّص صاحبنا من أيديهم فلئن فعلت ذلك لتكونن الفرصة الكبرى”، فقال رافع: ” حباً وكرامة”، وانتخب مائة فارس شداد من المسلمين وعزم على المسير. وبشرت خولة بمسير رافع ومن معه في طلب أخيها ضرار فتهلل وجهها فرحاً وأسرعت إلى تقلد سلاحها واعتلاء جوادها وأتت إلى خالد بن الوليد فقالت له: ” يا أيها الأمير سألتك بالطاهر المطهر محمد سيد البشر إلا ما سرحتني مع من سرحت فعلي أن أكون مشاهدة لهم”، فقال خالد لرافع: ” أنت تعلم شجاعتها فخذها معك”، فقال له رافع: “السمع والطاعة”، وارتحل رافع ومن معه وسارت خولة أثر القوم ولم تختلط بهم وسار إلى أن قرب من سلمية وهي بلدة من أعمال حماة، فنظر فلم يجد للقوم أثراً فقال لأصحابه: ” أبشروا فإن القوم لم يصلوا إلى ههنا”، فكمن بمن معه في وادي الحياة فبينما هم إذا بغبرة قد لاحت، فقال رافع: ” ذلك”، كبّر وكبّر المسلمون معه وحملوا فلم يكن غير ساعة حتى خلصوا ضراراً وقتلوهم جميعاً وأخذوا سلبهم.
ومن الوقعات الشهيرة لخولة والتي أظهرت فيها بسالة عظيمة وفروسية نادرة (وقعة صحورا) من أعمال الشام، وقد أسرت النسوة في تلك الوقعة، فجمعت خولة النساء فقامت فيهن خطيبة وكانت هي من ضمن المأسورات فقالت:” يا بنات حمير وبقية تبع أترضين لأنفسكن علوج الروم ويكون أولادكن عبيداً لأهل الروم فأين شجاعتكن وبراعتكن التي تتحدث بها عنكن أحياء العرب ومحاضر الحضر، وإني أراكن بمعزل عن ذلك واني أرى القتل عليكن أهون من هذه الأسباب وما نزل عليكن من خدمة الروم”، فقالت لها عفراء بنت غفار الحميرية: “صدقت والله يا بنت الأزور ونحن في الشجاعة كما ذكرت وفي البراعة كما وصفت غير أن السيف يحسن فعله في مثل هذا الوقت وإنما داهمنا العدو على حين غفلة وما نحن إلا كالغنم بدون سلاح”، فقالت خولة: ” يا بنات التتابعة خذوا أعمدة الخيام وأوتاد الأطناب ونحمل بها على هؤلاء اللثام فلعل الله ينصرنا عليهم فنستريح من معرة العرب”، فقالت عفراء بنت غفار: ” والله ما دعوت إلا ما هو أحب إلينا مما ذكرت”، ثم تناولت كل واحدة عموداً من أعمدة الخيام وصحن صيحة واحدة، وألقت خولة على عاتقها عموداً وسعت من ورائها عفراء أم أبان بنت عتبة ومسلمة بنت زارع وروعة بنت عملون وسلمة بنت النعمان وغيرهن، فقالت لهن خولة: ” لا ينفك بعضكن عن بعض وكن كالحلقة الدائرة ولا تفترقن فتملكن فيقع بكن التشتيت وأحطمن رماح القوم واكسرن سيوفهم”، وهجمت خولة والنساء من وراءها وقاتلن قتالاً شديداً حتى إستخلصت النسوة من أيدي الروم.
المصادر المعتمدة:
- عمر رضا كحالة، اعلام النساء، الجزء الأول، دمشق، ١٩٥٩م.
- الواقدي، فتوح الشام، دار الكتب العلمية، (١٩٩٧).
- زينب فواز، الدر المنثور لجلال الدين السيوطي، ٨ مجلدات، بيروت، ٢٠١١م).
ديوان الخنساء، حمدو طماس، (بيروت، ١٩٨٥م).