ارجع فاخطب… فإنّك لم تخطب
بقلم : عبد القادر جلاب
الحمد لله الذي هيّأ لهذه الأمّة دينا يتلاءم وفطرتها البشريّة فضلا عن نزول دستوره بلسانها، ولقد منّ الله مرّة أخرى أن فرض على العباد عبادات جماعية تتقوّى بها الصّلاة وتنسجم الأرواح تحت سقف واحد وقلب رجل أوحد، فكانت الصّلوات الخمس ثمّ اللقاء الأسبوعي الذّي هو نهاية الأسبوع وعيدا للمؤمنين، وما سمّيت بالجمعة إلاّ لأنّها جامعة للمؤمنين يجدّد المؤمن فيها عزيمته باعثا فيها روح الجدّ والنشاط لما يستقبله من باقي الأيّام، فضلا عن لقاء إخوانه وأحبّته وأكبر من ذلك حضوره واستماعه لخطبة وصلاة الجمعة، ذلك لما فيها من عظيم الأجر وجزيل الثواب. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:” خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السّلام وفيه أدخل الجنّة وفيه أخرج منها ولا تقوم السّاعة إلاّ في يوم الجمعة” ولا يسعنا في هذا المقام بيان فضلها فهي فريضة غنية عن ذلك. ثمّ إنّه لما كان لها من هذا القدر العظيم والفضل الكثير أن هيّئت كلّ أسباب تمامها وإلزامية التحضير الجيّد لها، مقابلة للسّامعين وحثّهم عمّا يطهّر أرواحهم ويصفي قلوبهم والبعث فيهم روح الحياة من جديد، ولقد روي عن معاوية بن أبي سفيان أن قيل له: عجّل بك الشيب يا أمير المؤمنين فقال: كيف لا وأنا أعرض عقلي على النّاس كلّ جمعة. هذا وهو أمير للمؤمنين يسيّر رقعة الدّولة الإسلامية من الشام شرقا إلى المغرب شمالا. ولكن للأسف الشديد قد ولي اليوم على المساجد أقوام ضعاف أضاعوا الأمانة وإن كان البعض ليس لأهلها، فكم سمعنا من خطب جوفاء عصماء يقشعر جلدك ويضطرب فؤادك لما يصيب اللغة العربية من مطرقة لسان لا هو بالعربي ولا الأعجمي، فتراه تارة يرفع المنصوب وتارة أخرى ينصب المجرم وهلمّ جرّا، فلا يكاد ينهي سطرا إلا من الحديث إلاّ ووجد المستمع نفسه في غياهب من الأخطاء لو بعث سيبويه أو ابن جنّي من جديد لتنصّلا من العربية. فما كان من هذا إلاّ إفساد للمعنى ودحرا للفظ فضلا عن تنفير لسّامع، ناهيك عن خلوّها من الطرائف والقصائد التي تذكّر المرء بأصله العربي أو الاستشهاد بأمجاد القادة الذين تركوا بصمة في التاريخ العربي والإسلامي، أو إيراد ما يستحقّ ذكره رفعا لهمّة السّامع وبعثا فيه لروح شرف الأمور ومعاليها. فلا تسمع فقها ولا لغة ولا قصصا ولا منطق علم إنّما هي خطب جوفاء عصماء تمجّها الأسماع وتنفرها الأذواق لا تغيّر فيك قيد شبر.وبقولنا هذا لا نريد ضرب الإمام بسوط النقد، وإنّما حسبنا أن المسجد صار مأوى لنا في زمن الفتن والشبهات والفراغ الرّوحي، ولا نريد للإمام أن يصبح نابغة عصره يتقن فنون العلوم والآداب فإن هذا ليس في استطاعته ولا مقدوره، ثم إنّ العمر لا يتّسع والعلوم لا تقف عند حد، إنّما نريد له أن يطالع ما يتيسّر له وينمّي ثقافته فينتفع وينفع غيره .فصار الواحد منّا يخرج من خطبة الجمعة كما دخلها أول مرّة، بل ربّما أضعف إيمانا وأشد سخطا لما يلقاه من خطاب مغشوش، ولقد وردتني أنباء عن جمع لا بأس بهم قد فارقوا المسجد واقتصر البعض منهم على الحضور لصلاة الجمعة دون الاستماع لخطبتها.ولو همّ أحد على التسجيل الفوري لما استفاد منه، لما وجد موعظة علقت بفؤاده، أو حكمة رسخت بفكره. إنّني لا أتوجّه بخطابي هذا إلى كلّ الدّعاة أو الأئمة، فحاشى ان يكون كلّهم على هذه الشاكلة، وإنّما خصصت بها هؤلاء المتطفلين على هذه الرسالة العظيمة لفظا ومعنى. ومن جعل النّاس سواء سواء ليس لعقله دواء. إنّما نريد من المصلحين والأئمّة حملة رسالة الأنبياء أن يحذوا حذوهم، لا أن ينتهي دورهم عند أبواب المساجد، فلا شكّ أنّهم الحلقة الأخيرة المتبقية من حركة الإصلاح، والتي نأمل أن يتمّ على أيديهم بعث مجد هذه الحضارة التي باتت شبه ميتة. وإن لم تكن لخطبتك قصد هذا ..فارجع اخطب فإنّك لم تخطبوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين