|

عرس المقاطعة ومأتم الانتخابات

بقلم : جهاد بشير

بمجرد إلقاء نظرة عابرة على الشخصيات التي زعمت “مفوضية الانتخابات” في العراق فوزها بأعلى عدد من الأصوات؛ تتضح للمتابع أبعاد المهزلة التي وجدت العملية السياسية نفسها تخوض فيها طمعًا بالمحافظة على ديمومة منظومتها واستمرارها حتى لو اتخذت من التناقضات والفشل وقودًا للبقاء.كميّة الركام السياسي الذي أفرزته “الانتخابات المبكرة” فاقت كل التصورات، تمامًا مثلما فاقت نسبة المقاطعة الجماهيرية للتصويت والعزوف الشعبي عن التورط في المشاركة في انتخابات كل من في العراق يدرك أنها لعبة تافهة؛ توقعات الرأي العام على الصعيدين المحلي والخارجي، لدرجة أن وسائل إعلام من ذوات الوزن الثقيل من قبيل وكالة رويترز، ووكالة الصحافة الفرنسية وغيرها؛ لم تستطع أن تُداري رغبة السلطة الحكومية في بغداد وتغطي على هذه الحقيقة على الرغم من أن مكاتب تلك الوكالات ما انفكت تنافق في أخبارها وتقاريرها لصالح العملية السياسية وحكوماتها التي فرضت عليها ذلك مقابل السماح لها بالعمل وفتح المكاتب.ولم يقتصر الأمر في كشف وقائع مهزلة الانتخابات على وسائل الإعلام ووكالات الأخبار؛ بل تعدّى إلى البعثتين الأممية والأوروبية التين اعترفتا بـ”خيبة الأمل” جرّاء النسبة المتدنية جدًا للإقبال على صناديق الاقتراع، فضلاً عن رصد خروقات وإشكالات جعلت صورة الانتخابات مشوّهة أثناء الحديث عن “ممارسة الديمقراطية” كما يسمّونها.ولأن أدوات العملية السياسية في العراق جبلت على الفشل؛ فإن المصطلحات والأفهام المغلوطة التي حاولت أن تروّجها بغية جذب الناس للمشاركة في الانتخابات فشلت هي الأخرى في تحقيق مآرب رعاة المشروع السياسي، إذ تحوّل مصطلح “العرس الانتخابي” الذي أريد له أن يكون شاهدًا على نجاح موهوم للانتخابات إلى مأتم حقيقي حاق بأهله، ما بين خاسر معترض على النتائج ومهدد بالتصعيد الذي قد يصل إلى حد المواجهة المسلحة، وبين آمال خائبة، وطموحات أزهقتها قلّة عدد الأصوات التي مُنحت لبعض الجهات والشخصيات، بل حتى على صعيد “الفائزين” الذين احتفلوا بتحفظ وتكلّف يشوبه القلق؛ لإدراكهم أنهم أمام معضلات أخرى ، ولعل مشكلة تكوين “الكتلة الأكبر” لغرض تشكيل الحكومة في مقدمة ذلك.لقد أثبت الشعب العراقي مجددًا أنه صاحب الكلمة الأعلى والقول الفصل في المشهد، ولاسيما عند النظر إلى حجم الوعي الذي صاحب موقفه الرافض للانتخابات بدءًا باستهجانه وصفها بـ”المبكرة” حين الإعلان عنها، ومرورًا بتقييمه المرشحين وكتلهم السياسية ذات التأريخ الموغل بالفساد، وانتهاءً بفضائح المفوضية التي حاولت تضليل الحقيقة وفشلت في التعمية على العزوف الواضح والمقاطعة الواسعة التي وصل الشعب العراقي إلى أنها الوسيلة الأنجع في مناهضة النظام السياسي القائم على المحاصصة، بعد سنوات طوال من تأصيل هذا المبدأ على أيدي القوى الوطنية العراقية المناهضة للاحتلال وللعملية السياسية. مقاطعة العراقيين جماهيريًا وشعبيًا للانتخابات أخلّت بمعادلة العملية السياسية، وتلك خطوة فذة في الطريق نحو إيجاد الحل الشامل للمشكلة العراقية، وأبناء العراق الذين خبروا واقعهم جيدًا يُدركون أن صراع ما بعد الانتخابات عسير لاسيما وأنه يجري ظل مشهد سياسي وأمني تتحكم به الميليشيات، وتتلاعب به إرادات خارجية إقليمية ودولية؛ لذلك حق على العراقيين أن يصفوا مقاطعتهم بأنها عرس حقيقي له مآلات ومقاصد بخلاف نظيره المدّعى في جوّ الانتخابات التي لا يتورط بالمشاركة فيها إلا شاهد زور.

Similar Posts