البصائر ذخائر الإعلام الملتزم والمتجدد
بقلم : د. أيمن العاني
بادِئ ذي بَدْء؛ انتهز هذه الفرصة لأتقدم بأزكى التهاني والتبريكات إلى أُسرة تحرير جريدة البصائر الغراء، بمناسبة ذكرى انطلاقتها الثامنة عشرة، سائلين المولى عزَّ وجلَّ أن تظل البصائر ذخائر الإعلام الملتزم والمتجدد، ودوحة الصحافة الحرة الهادفة القائمة على الحقائق والمدافعة عن حقوق الشعب العراقي بكل فئاته وأطيافه بلا خوف أو محاباة، وأن تبقى البصائر منبر كل الخيرين المناهضين للاحتلال ومشاريعه؛ إنه سميع الدعاء مجيب الرجاء.وسأتناول في هذا المقال جانبًا من مسيرة البصائر؛ لعلي أبين لماذا تُعدَّ ذخائر الإعلام الملتزم والمتجدد؟ تأسست جريدة البصائر بعد أشهر قليلة من الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، والبصائر المنصة الإعلامية الأولى لهيئة علماء المسلمين في العراق، وصدر العدد الأول لها في الثاني من آب/أغسطس 2003، من مكان له مدلولات كثيرة ومكانة كبيرة في قلوب العراقيين وهو مضيف الشيخ ضاري رحمه الله تعالى بمنطقة (أبو غريب) ببغداد، حيث كانت البداية بإمكانات بسيطة ولكن بطموحات وآمال عظيمة ينشدها كل العراقيين الشرفاء، ثم انتقلت البصائر إلى منطقة الأعظمية وبقيت هناك ردحًا من الزمن ليستقر بها الحال في جامع أم القرى غربي بغداد، وقد سعت البصائر منذ تأسيسها -وما تزال تسعى- إلى الدفاع عن حق العراقيين في الوصول إلى المعلومة، وتمكينهم من بيان موقفهم المناهض للاحتلال من جميع زوايا التغطية الصحفية واتجاهاتها، مع الحرص على تعزيز الجوانب الأخرى سواء الدينية أو السياسية أو الأدبية أو الثقافية أو المعرفية العامة، واضعة مبادئ ومعايير أخلاقية تعاهدها -وما يزالون- العاملون ضمن البصائر بالرعاية والاحترام والتطبيق على المستوى الفردي والجماعي، بما يسهم في تعزيز دور الصحافة الحرة الهادفة القائمة على الحقائق، وما يحقق الصالح العام، مستمدة هذه المبادئ والمعايير الأخلاقية من قيم ديننا الإسلامي وشريعته السمحاء إلى جانب القيم الوطنية والأعراف الراسخة للمجتمع العراقي، التي ظلت تفرض إطارًا قيميًا ملحوظًا تنفرد فيه البصائر خلال مراحل مسيرتها.وإذا استقرأنا على عجل مراحل مسيرة جريدة البصائر، نجد أنها جاهدت -وما تزال- وجادت –وما تزال- بالغالي والنفيس للحفاظ على الثوابت الشرعية والقيم الوطنية الخالصة التي تعاهدها القائمون عليها والعاملون فيها، الذين سطروا -وما يزالون- أروع مواقف الثبات على الحق وسخروا -وما يزالون- جهودًا كبيرة لبيان الحقيقة ومكافحة الأخبار المضللة والصحافة الصفراء، حتى تربعت البصائر منذ أعدادها الأولى في قلوب كل العراقيين الشرفاء المجاهدين منهم والقاعدين المتطلعين لتحرير بلدهم من الاحتلال الأمريكي والهيمنة الإيرانية التي أعقبته. وقد تعرضت البصائر في سبيل ذلك لضغوطات كبيرة تمثلت في حروب شعواء استهدفت كلمتها، منها: النفسية والإعلامية والأمنية وغيرها، فضلًا عن لجوء حكومات الاحتلال لسياسة تكميم الأفواه ومحاربة الكلمة الهادفة ومنع المعلومة من الوصول إلى الجمهور، وأصابها ما أصابها من التعتيم والتهميش حتى منعت من الصدور نهائيًا؛ لصرف الناس عن الحقيقة ومنعهم من التعبير عن آرائهم، وإشغالهم بالوسائل الإعلامية التافهة التي اعتمدت تجاهل الأخبار والأحداث المهمة، وغض الطرف عن الخلفيات والدواعي لإعطاء صورة غير مكتملة أو مشوهة للموقف، والتلاعب بالمعلومات وخلط الأوراق لإشاعة عدم التمييز بين الأخبار من ناحية والرأي والتحليل من ناحية أخرى، للتأثير على رأي المتلقي وعلى وجهة نظره، بحيث يصبح التعامل مع الحدث خلال ساعاته أو أيامه الأولى فقط وبعدها يتحول إلى أمر اعتيادي عابر؛ وكان هذا جليًا في التغطية الإخبارية التي رافقت الاحتلال الأمريكي، التي كان من شأنها تحويل اهتمام المتابعين بعد تجاوز الصدمة الأولى بشكل ما إلى العمل على قلب الموازين، بحيث أصبحت التغطية الهابطة هي الشائعة والتغطية الهادفة هي النادرة. وعلى الرغم من كل ما تقدم؛ لم تقف البصائر عند حد كونها منبر المقاومة الشريفة وصوت الشعب المقهور، التي عانت –وما تزال- من جرّاء ذلك الكثير الكثير، بل تعدت لمشاركة الأمتين العربية والإسلامية همومهما المركبة وآمالهما المشروعة.وقد ركزت البصائر خلال جميع مراحل مسيرتها على المسؤولية الصحفية في تحري الحقيقة ونشرها دون تحريف أو إخفاء، مع الالتزام الكامل بمصداقية المعلومات التي تحصل عليها من صور ووثائق، إدراكًا منها بضرورة احترام المهنية في العمل الصحفي وخطورة الإساءة لها، ولاسيّما مبدأ عدم التمييز، إذ كانت البصائر -وما تزال- ركيزة الإعلام الحر المنافح عن حقوق الإنسان العراقي بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قوميته أو مشربه الفكري أو الثقافي، التي نهضت بجهود كبيرة في سبيل ذلك؛ لذا حُق لكل عراقي غيور على وطنه أن يطلع عليها ويفهم مغزاها، لأنها شكلت -وما تزال- المنصة الإعلامية العراقية الوطنية الخالصة التي تدافع عن حقوق الشعب المنتهكة وتفضح جرائم الاحتلال وحكوماته العميلة وميليشياته الإرهابية.وتميزت أعداد جريدة البصائر الـ(529) الصادرة باحتوائها ما بين صفحتها الأولى والأخيرة رحلة فكرية دعوية سياسية وتربوية نُظمت بمعايير تحريرية ملتزمة وخطاب إعلامي متجدد يقوم على التوافق بين المبادئ الأخلاقية والمعايير الحقوقية، إذ لم تتعامل مع الأحداث كسلعة فيما يُعرف إعلاميا بالسبق الصحفي، وإنما تعمل على تقديم محتوى معرفي يلقي الضوء على خلفية الأحداث بقصد لفت الأنظار لها وحث الجهات المسؤولة لمعالجتها، أو لخلق وعي شعبي تجاه ما يدور حولهم، فضلًا عن كونها جريدة شبه مستقلة لم ترتبط بأي من الأحزاب والتكتلات التي ظهرت بعد الاحتلال، وتتمتع بنسبة عالية من المصداقية والجرأة في تناول الموضوع من حيث الخبر والمقال والرأي والرؤية؛ فكانت -وما تزال- ملاذًا يجد القارئ العراقي فيه نفسه وقضيته، وأصبحت مصدرًا مهمًا للخبر العراقي بالنسبة لكثير من شرائح المجتمع لأنها لا تدافع عن هذا الحزب أو تلك الحركة ولا تنحاز إلا للمواطن العراقي البسيط، على العكس من الوسائل الإعلامية الأخرى التي لا تعمل بشكل مستقل والتي تكون في الغالب منحازة ومسيسة وتدافع عن الجهة التي تمولها ضد جهات أخرى، والتي لا يمكن ان تكون مصدر معلومات بالنسبة للمتلقين بل إن بعضها يشكل مصدر تشويش لهم.وظلت البصائر خلال جميع مراحل مسيرتها ملتزمة بالخطاب المحافظ على وحدة العراق شعبًا وأرضًا، وانتهجت سياسة التدليل ونبذ الطائفية والابتعاد عن المناكفات، وحرصت على تقديم قضية العراق الكبرى والتداعيات الجسيمة العاصفة بالبلاد وأهلها، حيث أصبح همها الأول هو تنقية مفاهيم أساسية في الوعي الجماهيري، مثل: المقاومة، والتحرير، والثورة الشعبية، وتصدر قائمة مهامها ترسيخ دلالات هذه المفاهيم الأثيرة وتفعيل محتواها الحقيقي وتمييزها عن كل ما هو إرهاب وعنف وتطرف. وتصدت البصائر بكل حزم لمحاولات عملاء المحتل وأذنابه الرامية إلى تمييع قضايا الهوية الوطنية للشعب العراقي والتضليل بقلب المشهد، حتى يصل الأمر أحياناً إلى تصوير المجرم بأنه ضحية، والضحية هو المجرم المعتدي، ناهيك عن محاولات نسف مقتضيات السلم المجتمعي والتعايش على أساس مفهوم المواطنة والانتماء والمساواة بين جميع مكونات الشعب في الحقوق والواجبات، حرصًا منها على تحقيق الصالح العام، المتمثل في اهتمامها بالمعلومات والقضايا التي تشغل العراقيين، وتؤثر على حياتهم اليومية، ولاسيّما المتعلقة بقرارات الاحتلال وحكوماته المتعاقبة، وواقع الخدمات والحقوق الأساسية وحماية الحريات العامة، ومكافحة الفساد، ومنع إفلات المرتكبين من العقاب، وإقامة المساءلة، وتعزيز سيادة حكم القانون وكشف الحقائق، ومنع تضليل الرأي العام لأجل تمكين الناس من الحصول على محتوى ومضمون إعلامي دقيق وصادق.ومما تقدم، وغيره كثير لا يتسع المقام لذكره؛ يتبين لنا أن البصائر ذخائر الإعلام الملتزم والمتجدد، ومنبر الكلمة المقاومة الثابتة على موقفها من الاحتلال البغيض ومشاريعه المشبوهة، ودوحة الصحافة الحرة الهادفة القائمة على الحقائق والمدافعة عن حقوق الشعب العراقي بكل فئاته وأطيافه بلا خوف أو محاباة، ولم تداهن ولم تتملق ولم تظهر للعراقيين خلاف ما تضمر لهم ولم تتنازل عن أي حق من حقوقهم، ولم تأل جهدًا في إيصال صوت الشعب العراقي المقهور والتأكيد على تحقيق مطالبه وطموحاته، الأمر الذي مدّها بالحياة وأوصلها إلى قلوب العراقيين الشرفاء قبل عقولهم وجعلها بحق بصائر للناس؛ فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.