البصائر .. نهج الصدق وطريق الحق
بقلم : محمد الجميلي l كاتب وإعلامي عراقي
عامًا بعد عام يتأكد نهج الثابتين الأولين، أهل البصائر النافذة، والرؤى الواقعية غير الحالمة، ولا المزيفة أو المتوهمة، أولئك الهداة المهديون وأولئك هم الراشدون، فأنعم بهم وأكرم، ولنهجهم فالزم، ولغيرهم من الزائغين فكن على حذر، تأمن وتسلم.إن الذين يعرفون الحقيقة بعد فوات الأوان، والذين يصِلون إلى ما كان عليه الواعون الصادقون بعد خراب البصرة، ما هم بقادة رأي ولا أصحاب فكر، ولا يصلحون لمهمة إنقاذ الشعوب والأوطان في الظروف الاستثنائية، بل هم من جنس العوام الذين لا همّ لهم سوى معاشهم، ولا يشغلون بالهم بما ستؤول إليه الأمور.جريدة البصائر اسمٌ متميزٌ في الصحافة العراقية التي تأسست إبان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، نصحت وما غشت، ونطقت بالصدق والحق وما هادنت محتلًا ولا عميلًا، ووضعت النقاط على الحروف منذ انطلاقتها، وسمّت الأشياء بمسمياتها، فالاحتلالُ احتلالٌ ولم تسمّه تحريرًا كما فعلت صحفٌ أخرى ناطقةٌ باسم أحزابها العميلة، مثل جريدة البينة التي نشرت عن هادي العامري زعيم مليشيا بدر، وقائد كتلة الفتح حاليًا، في الثلاثين من حزيران بعد الاحتلال، أن التاسع من نيسان (يوم احتلال بغداد) قد صحح خطأً تأريخيًا استمر أربعة عشر قرنا من الزمان، كان ذلك يوم جعلوا يوم احتلال بغداد عيدًا وطنيًا، قبل أن يتراجعوا عنه لأسبابٍ معروفة، وكذا سمّت العمالةَ عمالةً، والمقاومةَ مقاومةً، وليست إرهابًا أو تمردًا كما كانت تنطق صحفٌ أخرى رغبًا ورهبًا، وحذرت البصائرُ الشعبَ من عمليةٍ سياسيةٍ روّج لها الاحتلال وعملاؤه تحت مسمّى الديمقراطية، وكانت تصيح في أسماع العراقيين، إن هي إلا فتنةٌ ومحاصصةٌ طائفيةٌ محكومٌ عليها بالفشل، ولن تقود إلا إلى خراب العراق، وظلت البصائر تصيح في المغفلين الذين بهرتهم وعود المحتلين، أن أفيقوا قبل فوات الأوان، ولكنهم ما استبانوا الرشد إلا وقد أصبح العراق خرابًا يحكمه لصوصٌ محترفون في اللصوصية، فراحوا يذمون العملية السياسية ويصفونها بأقذع الأوصاف، ثم باتوا يعلنون مقاطعتهم للانتخابات، في حين كانوا يهاجمون القوى المناهضة للاحتلال، لمجرد بيانهم عوار العملية السياسية وقالبها الأعوج.لقد قامت البصائر بواجبها خير قيام، وأدت ما عليها حسب استطاعتها، ودفعت لأجل ذلك ضرائب كبيرةً، ليس أقلها إيقاف صدورها، واقتحام مقراتها، واعتقال العاملين فيها، ولكنها لم تحد عن طريقها، ولم تلن عزيمتها، حتى جاء اليوم الذي انتهى فيه الآخرون إلى ما كانت تقوله في بداية الاحتلال، ولكن بعد ماذا؟ بعد خراب البصرة.لجريدة البصائر أن تفخر بأنها من المنابر القليلة التي صدحت بالحق في أول عددٍ صدر لها، وواصلت مسيرتها بالنهج ذاته حتى يومنا هذا، لم تحرف بوصلَتها الضغوطاتُ ولا المعوقات، بينما أهلكت المغرياتُ قريناتِها من الجرائد والمطبوعات، فوضعت اسمها في سجل الثابتين، وحظيت بمكانتها السامية في قلوب الشرفاء والمخلصين.تحيةً للبصائر في عيدها الثامن عشر، وشكرًا لكل قلمٍ حرٍ كتب فيها بأحلك الظروف، ولكل عقلٍ مستنيرٍ وقف وراءها أو آمن بنهجها، يوم كانت المعركة حامية الوطيس بين الشرفاء وعملاء الاحتلال، وكلُّ عامٍ والحقُّ منتصرٌ.