|

استشراف السفير.. ومقتضيات المرحلة

بقلم : جهاد بشير

خرج السفير البريطاني لدى حكومة بغداد “ستيفن هيكي” عبر إحدى وسائل الإعلام ليقول وهو يتقمّص دور من يدّعي استشراف مآلات الواقع العراقي في ظل ظرفه الراهن: “إن العراق على موعد مع كارثة وشيكة وانهيار أمني قبل إجراء الانتخابات”! تصريحات السفير هذه ليست كما حاول أن يُصدّرها على أنها رؤية مبنية على قراءة المشهد؛ بل هي في الحقيقة مقصد وهدف تروم القوى المتحكمة في مشاهد المسرح العراقي الوصول للأول وتحقيق الثاني، تمهيدًا لتدشين مرحلة جديدة من مشروع الاحتلال، وهو ـ بوصفه سفيرًا لثانية القوى الثلاث التي تدير النظام السياسي في العراق وتتحكم في حراكه ـ حين يُطلق تصريحات من هذا النوع؛ فإنه يريد إيصال رسالة للقوى السياسية التي تتناحر منذ حين وهي تعد العدة للدخول في حلبة ما أسمتها “الانتخابات المبكرة”؛ بأن عليها أن تمهد الطريق لتحقيق الانهيار المقصود لأنه وسيلة ذات ضرورة، وعُرف مُتّبع، وسياق لازم لاستمرار المشروع والتنقل بين مراحله. وبمعنى أكثر اختصارًا مما سبق؛ فقد بدى “هيكي” وكأنه يعتمد في تصريحاته بشأن الكارثة المرتقبة على قاعدة “الإخبار بقصد الطلب” ليوضح للأدوات الراكضة في ركب العملية السياسية طبيعة مهمتها في الأشهر المقبلة من هذا العام قبل الكشف عن مصير الانتخابات..، وبطبيعة الحال؛ فإن القاعدة المعروفة في مجالات تطبيقاتها الشريفة في العلوم؛ منزهة عن أن تُستخدم في هذا النوع من الإسقاطات؛ ولكن المشهد يُلجئ إلى توظيف الأمثال لتقريب الصورة وتدنيتها من الأذهان. السفير الذي أزعج من تورّط بمتابعته على مواقع التواصل الاجتماعي بفعالياته الفجّة وكلماته المتكلفة وهو يُحاول الظهور بشخصية مرحة أو هكذا يظن أنه يفعل حينما يزعم أنه يطهو طعامًا عراقيًا شعبيًا؛ أدى دوره هذه المرة بشأن تصريحات الكارثة بنجاح، وطفق يتحدث ـ ضمنًا ـ عمّا تريد بلاده وشركاؤها من أرضية ومعطيات تمهد لنقلة جديدة وتؤسس لفصل آخر في المشهد. الحقيقة التي باتت محل إدراك لكل متابع أو راصد؛ أن السلطة الحكومية الحالية التي جيء بها لقطع الطريق على الحراك العراقي الجماهيري الذي بدأ يطالب بإسقاط النظام؛ هي مجرد محطة للعبور، أو بمعنى أدق أشبه بقنطرة مؤقتة تتم بواسطتها تهيئة وسائل جني المكاسب في أطوارها اللاحقة، لذلك ظهر بوضوح لماذا سارع الكاظمي في وقت مبكر بعد إعلانه رئيسًا لحكومة بغداد إلى القول إنه ملتزم بإجراء “الانتخابات المبكرة” مطلع شهر حزيران/يونيو 2021؛ قبل أن يتراجع تحت وطأة الصراع السياسي بين أحزاب السلطة، وسطوة الميليشيات التي تراهن كل يوم بعلوّ كعبها على الحكومة؛ ليدفع الموعد أربعة أشهر أخرى تبدو أجواؤها كفيلة بتحصيل أسباب جديدة للصراع واتساع مساحات الفوضى التي أشار إليها سفير المطبخ! السفراء الغربيون في منطقة حكومة بغداد الموصوفة بالخضراء مجازًا؛ يؤدون أدوارًا أكثر مما هو مُتبادر في الأذهان؛ فعلاوة على وظيفتهم في إنعاش النظام السياسي بإعطائه جرعات “اعتراف” ليبدو للرأي العام كأنه معتبر وذو قيمة؛ فإنهم يُشرفون على مواقع الصراع ويُحدّثونها باستمرار، ثم يُحددون مناطق الفوضى وقوى التأثير فيها، وصلاحيات أحدهم في هذا السياق مرهونة بمكتسبات بلاده ونصيبها من قصعة العراق التي تداعى الأكلة عليها بِنَهم وافتراس.

Similar Posts