|

عقول عراقية في منظومة المقاومة الفلسطينية

بقلم : جهاد بشير

مرّت جولة أخرى من الصراع بين المسلمين ويهود، وانقضت كالعادة بتفوّق منهجي وفكري واضح وصريح استعلى به المسلمون على خصمهم الذي لا يُقاتل إلا من وراء جُدُر، وحتّى على المستوى التكتيكي والاستراتيجي العسكري؛ فقد انتصرت غزة هذه المرة أيضًا بإجماع الرأي العام الشعبي والنخبوي، باستثناء ثلة من أهل الاستخذاء الذين مردوا على التطبيع والدنو من القاع؛ فلهم رأي آخر مصدره ما تسوء به أنفسهم حينما يظفر المسلمون بحسنة. انتصرت غزة، وبقيت القدس مكرّمة وهي تطمئن إلى أنها تستند إلى ركن شديد يغيثها ـ محليًا ـ في الميدان حينما يضرّها العدو بأذى، ويؤازرها ـ خارجيًا ـ في أوقات الشدة والمحنة؛ على الرغم من أن هذه المؤازرة مطلوبة ولازمة من جميع الأمة في كل حين ومن كافة أوجه الفرض ما كان منها عينًا أو كفاية أو وقتًا.ولعل ما يميز هذه الجولة الكم الكبير وغير المسبوق من المواقف والأفعال التي تبنتها الأمة؛ حتى باتت الآمال متقدة أكثر من أي وقت مضى بأن الصحوة الإسلامية مؤهلة لأن تُبعث من جديد فيها، وأن أسباب استعادة الريادة والسلطان لهذه الأمة يمكن أن تكون في المتناول إن أحسن أبناؤها اهتبال الفرص ومعالجة القضايا بما يقتضيه الواجب وتقرره العقيدة، لاسيما وأن حدود القطرية تلاشت تمامًا في ظل التطورات الأخيرة للقضية الفلسطينية.ولأن المقام صار مؤهلاً لتوطيد وحدة الأمة والتثقيف بأن قضاياها ذات منبع ومصب واحد وتلزم الجميع وإن تعددت بقعها الجغرافية؛ جاءت شهادة المقاومة الفلسطينية للعقول العراقية التي أسهمت في تطوير سلاحها وتنمية قدراته ليكون أشد إثخانًا في العدو وأكثر مضيًا في مسار الجهاد؛ في مشهد مُتقن الصنعة ودقيق الحراك؛ فعلى مدى عقدين من الزمان لم تتمكن عيون العدو ومن يواليه من معرفة هذا الجهد أو الوقوف على جزئياته، حتى اختارت المقاومة بنفسها أن تعلن عنه وتكشف عن بعض أوجهه.لقد جاء وصف المجاهد “خالد مشعل” للعقول العراقية التي شاركت في دعم المقاومة دقيقًا وذا مقصد؛ حينما قال: “إن عقولاً عراقية محبة لوطنها ساهمت في تطوير صواريخ المقاومة الفلسطينية على مدى عشرين عامًا..”، ولعل مصطلح “محبة لوطنها” له من الدلائل الشيء الكثير في حجمه والكبير في مدياته؛ لأن حب الأوطان لا ينحصر داخل حد أو يقتصر على قطر؛ وأن الإيمان بقضية ما يلزم أن يكون شاملاً لها في أي مكان تتوافر فيه مقتضياتها ومقاصدها، ولاسيما حين ندرك أن أصحاب العقول المشار إليها هم من النخبة الإسلامية الفذة التي دفعت من أرواحها وأموالها ومستقبلها ثمنًا لمواقف الدفاع عن عقيدتها ومبدئها أمام منهجية كانت تريد أن تصرف عقيدة الإسلام وثوابت الشريعة عن الناس وتعزلهما عن الحياة. ولعل الاستشهاد بصلاح الدين الأيوبي في هذا المقام له دلالة أخرى لا تنفك عن سابقتها؛ فقد تفاخر أبو الوليد ـ وله ولنا جميعًا الحق في ذلك ـ بهذا القائد العراقي الذي كان حاكمًا في بلاده لكن التأريخ سجّله فاتحًا للقدس ومُحررًا للمسجد الأقصى المبارك، في إشارة إلى أن المنهجية الإسلامية هي المفتاح لإدراك معنى القضية الفلسطينية التي تؤكد كل مراحل التأريخ أنها مسؤولية الجميع مهما نأت بهم الأرض أو أشغلتهم قضاياهم المحلية.لقد كسب الفلسطينيون ومن خلفهم المسلمون في أرجاء العالم معركة في مرحلة مهمة في حرب قائمة لمّا تضع أوزارها بعد، ولن تضعها عن قريب بيُسر أو من دون تضحيات أخرى؛ وإذا كانت معركة “سيف القدس” بمثابة خطوة على طريق النصر؛ فإن هذا الطريق ما يزال طويلًا وهو بحاجة لأن تبقى الأمة مدركة بأنه يستلزم المزيد من الزاد والراحلة.

Similar Posts