|

هيئة علماء المسلمين و18 عامًا من الريادة

بقلم : جهاد بشير

تحلّ الذكرى الثامنة عشرة للإعلان عن تأسيس هيئة علماء المسلمين في العراق؛ في وقت آلت البلاد إلى مرحلة ذات أوضاع ومشاهد سبق أن استشرفتها الهيئة، بعدما عاينت أسبابها فوصفتها في ذلك الحين وكأنها رأي عين.لم تكن هيئة علماء المسلمين مجرد “تجربة” فرضت بصمتها في المشهد العراقي بوصفها كبرى القوى المناهضة للاحتلال ومشروعه السياسي، بقدر ما كانت ـ وما تزال ـ فكرّة بنّاء غير مسبوقة، قامت على أساس الفكر الجمعي الرابط بين الاتجاهات، والنمط الشمولي في التعاطي مع جوانب الحياة على تنوّعها واختلاف اتجاهاتها.وإذ تقطع الهيئة هذه السنوات وهي في ميدان مواجهة متعدد الجبهات ومؤطر بالتعقيد وهي ما تزال على المسار ذاته دونما انحراف أو تبديل؛ فإن ذلك يفرض على مراقبي المشهد ومحللين دراسة حالتها والوقوف عند خصائصها التي أهلتها لهذا الإنجاز غير المكرر في تأريخ العراق المعاصر.. ولنبدأ من الخطوة الأولى:بدأت هيئة علماء المسلمين في التصدي للاحتلال في العراق منطلقة من قاعدة (اللاءات الخمس) التي أسسها الأمين العام الراحل الشيخ حارث الضاري ـ رحمه الله ـ حينما شخّص خمس مشكلات مترادفة يعمل مشروع الاحتلال على تثبيتها، وهي: الاحتلال (بوصفه العسكري)، والعملية السياسية، والدستور، والطائفية، والتقسيم؛ وقد شرعت مواقف الهيئة وطرحها على الصعيدين الإعلامي والثقافي وهي تعبّر عن دلالة هذه القاعدة؛ بالتأكيد على مبدأ الوطنية والترفع عن الطائفية، والسعي إلى إشاعة الخطاب الجامع لكل أطياف المجتمع العراقي.ولعل من أهم ما ميّز الهيئة في توصيف المشهد والتعاطي مع مخرجاته؛ رؤيتها في وقت مبكّر أن العملية السياسية لا تجري على ما هو مُتصور لدى المراقبين لها من الخارج الذين ما انفك قسم كبير منهم يدعو إلى الانخراط فيها والعمل تحت مظلتها؛ بل تتحرك في سياق الطائفية والمحاصصة والتوافقات بين أحزابها، وفي وقت كان يُعتقد لدى فئة من الناس بأن ما يجري في العراق هو صراع طائفي مجتمعي؛ وصفته الهيئة بأنه نتاج طائفية سياسية زرع الاحتلال بذورها، ورعتها طبقة السياسيين الذين جاء بهم وسلمهم مقاليد الحكم.وقد لاحظت هيئة علماء المسلمين أن الحراك السياسي الذي شهده العراق في ظل الاحتلال لم يكن يهتم بتحصيل ثقة الجماهير به، ولم يكن مؤهلاً ليمنحهم عطاءً أو ثقة، فضلاً عن حقوق ومنافع؛ فكانت هذه المؤسسة صاحبة السبق في كشف المسوؤل الأول المُصدّر للطائفية ومفاهيمها في العراق، وهو الاحتلال المزدوج (الأمريكي ـ الإيراني) الذي ينطلق من سياسة التخادم ويتقاسم شقّاه الأدوار في توظيف العملية السياسية طائفيًا، وهذا أمر لا يكاد يخلو واحد من بياناتها أو مواقفها السياسية من الإشارة إليه بهدف التأكيد المستمر على حقيقة يسعى الاحتلال وأدواته إلى تغييبها، بحيث لا تجد لها أصداءً في أرجاء الرأي العام.ثم إن هيئة العلماء تنبّهت منذ الأيام الأولى للاحتلال إلى أن الغاية التي يضمرها الأخير هي إذلال الشعب العراقي وكسر شوكته، وتدمير حياته في بناها التحتية ومفاصلها المختلفة؛ فعكفت على توثيق الأحداث والتحذير من برامج ممنهجة تنوعت فيها أساليب الاحتلال وأدواته؛ وصار موقفها في التوثيق والتعاطي مع الأحداث واحدٌ مع العراقيين على اختلاف أطيافهم، فلم تُعن بطائفة دون أخرى، معلنة رفضها أي محاولة للتفريق بين أبناء الشعب العراقي.إن موقف هيئة علماء المسلمين ورأيها السياسي يتجمّلان في بُعد خطابها عن مصطلحات يُفهم منها تصنيف العراقيين طائفيًا أو عرقيًا أو دينيًا، ولم تعتد استخدام مصطلح يشير إلى ما يناقض ذلك إلا في سياق الإيضاح وبيان ضرورة يقتضيها المقام، مع التعبير عن أسباب لجوئها إلى هذا المنحى، وذلك حرصًا على كمال وحدة العراقيين في أدبياتها، ومساواتهم دون تفريق أو تمايز.ريادة الهيئة في ميادين السياسة والفكر والثقافة، فضلاً عن الشريعة وثوابتها ومقاصدها؛ أهّلتها لتكون عالية الكعب على من سواها من قوى واتجاهات تفشت في الميدان العراقي وباتت متزاحمة في مشهد الصراع؛ فكان لهذه الريادة الأثر البالغ في أن يغدو استشراف هيئة علماء المسلمين لمآلات الأحداث علامة مسجلة باسمها وصفة دائمة في منهجها، وقد أظهرت الأيام القليلة الماضية ذلك بوضوح؛ حينما أخذ سياسيون في حكومة بغداد الحالية يدعون إلى “جدولة انسحاب” القوّات الأمريكية من العراق، متأخرين أكثر عقد ونصف عن هيئة علماء المسلمين حينما قدّمت مشروعها لإنقاذ العراق الذي كان يتضمن جدولة انسحاب بإشراف أممي؛ فاتهموها وقتئذٍ بـ”الإرهاب”!والآن وقد صارت الجدولة ـ بغض النظر عن مصداقيتها اليوم ـ مطلبًا لدى متصدري المشهد السياسي العراقي؛ فإن الجميع ينتهي من حيث ابتدأت هيئة علماء المسلمين.

Similar Posts