في فلسفة الكمال

بقلم : عبد القادر جلاب*

قبل سنوات كنت قد قرأت كتابًا للإعلامي -أحمد الشقيري- فراعتني عبارة مفادها أنّ الإنسان عليه أن يبلغ جهده لبلوغ الكمال وإن كان هذا ضربًا من الخيال إلا أنّه من الأكيد سوف تحقّق أهدافا عظاما في مشوارك، ولم تكن تخطر لي فكرة بلوغ الكمال فرحت أتساءل ما الفائدة للمضي قدما نحو الكمال واعتقاد شيئا من هذا القبيل إن كان الإنسان لن يرى شيئا كهذا على أرض واقعه؟فجعلت أتساءل أين يكمن الكمال؟ وهل يمكن الصبوّ إليه؟ وإن كان هذا حقا فما هي سبل بلوغه؟أعتقد أن الكمال إنّما هو إشعاع روحي يتخاطر بيننا نحن البشر …. شيء ذاتي لا يمكن تحصيله إلا بعد غوص عميق في النفس وانقطاع طويل للتنفس حتى ولو بلغ بك الجهد. الكمال هو تلك الابتسامة التي تهندسها الشفتان حال الغضب.. حال الاحتضار .. حال الدفء الذي تبعثه الشمس صبيحة يوم شتوي.الكمال هو صبرك على نفسك وعلى أعز الأصدقاء الذي بادلته الرغيف أو ربّما آثرته على نفسك فغفرت زلته، هو رجوع الابن بعد سنين طوال من الغربة صفر اليدين فتتلقاه دموع هي أكبر من عتاب كبير إلى حب اكبر، وذراعان يشعان حبا وحنانا من لدن أمّ أمضت أيامها تتحسّر على ولد مهاجر، الكمال هو ذلك الشاب الذي يعمل صيفه ليحمل عبء وتكاليف دراسته عوضا عن أهله ولربّما تحمّل شيئا من ضرورات أهله.هو ذلك الأب الذي تشقّقت يداه من العمل المضني ليرى أبناءه يكبرون أمامه، وليحملق في حلمه الأزلي يتحقّق ولكن… ولكن من فوق سبع سماوات.الكمال هو ذلك الكاتب المبتدئ الذي لا يقرأ إلا ليكتب ولا يكتب غلا ليقرأ كثيرا، فيجعل من نصوصه المبعثرة سبيلا لفهم ذاته أول مرة.هو ذلك المعلّم الذي يجلس إلى جنب طبيب لطالما كانت دعواه أن يكونوا تلاميذه أفضل حالا منه.. الكمال هو ذاك الشاب المتعنّت الطموح الذي خاض معترك السياسة ففقد الكثير .. ثم التفت وراءه فلم يجد سوى ذاك الكثير الذي ظن انه قد فقده، وهلمّ نبدأ من جديد ونطوي الماضي..ولكنالكمال هو ذلك القارئ الذي كلّما قرأ صفحة انبهر وتمنّى أنّه لو رجع به الزمن عاد فالتحق بمقاعد الدراسة، أو كان تلميذا لهذا الكاتب.الكمال هو ذلك الطالب الذي يعلم بعيوب زميله، فيتحاشاها كي لا يجعله في موقف محرج عند ذاته، هو ذاك التاجر الذي ظن الجميع أنّه مغفّل، ولكنّه استمر في التمثيل والابتسامة تعلو محيّاه.. هي تلك الزّهرة التي أزينت بأجمل لون وضربت موعدا لقاطفها كي تردّه إلى لذّة الحياة من جديد هي تلك الأرض التي تحمّلت تمزيق المحراث، وصقيع الشتاء وقرّ المطر .. لتكتسح بالسندس وترسم أجمل لوحة في صباحات الربيع.. تلك الشّجرة التي مزّقت أطرافها لتعود هي الأخرى بأغصان أشد وبظلّ أوفر وفاكهة أشهى، وكأنها تقول لك: “ما نقص مال من صدقة”.. تلك الأنعام التي تعصر ثديها فتخرج شرابا من روحها سائغا للشاربين.تلك الفتاة التي آثرت نجاح إخوتها على نفسها ويمضي العمر بها وتجد أنّها لم تفقد شيئا من جمالها. ذلك الفتى صاحب الشهادة الذي أضنته جلساته على الطرقات، جاهلا بمستقبله.كئيبا من قول: ماذا صنعت أنا وما صنع أصحاب الشهادات بدراستهم، ثم يعود ليجلس في أقرب مقهى يشرح درسا لمن هو مقبل على اجتياز امتحان.تلك الفتاة المكمّلة مرحلة الجامعة، ثمّ تعود لتمكث في المنزل، وما هي إلاّ أيّام حتى يزجّ بها..عفوا يزفّ بها إلى بيت في رأس جبل لتعلّم الصبية حبّ العلم والتعلّم..أن تقول لمن أساء إليك تعالَ نقتسم شربة ماء في يوم قيظ.ذاك المسؤول الذّي لطالما قذف بالتّهم، وهو منها براء ليقضي حوائج النّاس ومن أساءوا إليه قبلا.إلى الشجيرة التّي تتزين كلَّ ربيع فتقطف حليّها، ثمّ تعود الرّبيع الآخر لتجود مرّة أخرى.هذه هي فلسفتي في الكمال، وإنّما أردت القول إن الكمال هو أن تعطي وأنت قانع مبتسم، وتأخذ نصف ما أعطيت، وتنام نومتك الأخيرة وليس في قلبك مثقال ذرّة غل.* كاتب من الجزائر

Similar Posts