خبر ورؤية | أحداث المشهد الإيراني .. جهاد بشيرJan 02, 2018
زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر
يشغل الراصدين لشؤون المنطقة؛ ما جرى ويجري داخل إيران في غضون الأيام القليلة الماضية؛ التي يراها الكثير منهم أنها أكثر من فورة طارئة، أو مسيرات عابرة، لما لها من مقدمات وتمهيد يمكن أن يُعلم منهما مسار السيناريوهات المتوقعة.
واعتمادًا على ما قد يطيب لبعض المراقبين تسميتها بـ(المفاجأة) التي أظهرتها وسائل الإعلام للرأي العام بتسليط الضوء على هذه الأحداث كونها أظهرت حراكًا داخليًا لافتًا غير متوقع على مسرح الأحداث لدولة ما انفكت تعبث بالمنطقة؛ تحجم نسبة منهم عن التعجل في توصيف ما تشهده عشرات المدن الإيرانية من بينها طهران نفسها؛ ما بين ثورة تسعى إلى التغيير أو مجرد صرخات تنادي بمستحقات حياتية لو توفرت فسينتهي كل شيء.
واقعيًا؛ فإن ما يجري في إيران ليس وليد لحظة أو رد فعل كما قد يظهر من الوهلة الأولى، بقدر ما هو تراكم لقضايا لم يعد لصمّامها شيء من الصمود يحول دون انفجاره، بعدما امتلأت جعبة الإيرانيين نقمًا على نظام بلادهم، ولم يعد لصبرهم مساحة تحتمل احتواء المزيد مما تلقيه عليهم حكومتهم من تبعات اقتصادية سيكون لها شأن في التأثير على المستوى المعاشي في الأمد القريب؛ لاسيما وأن حكومة روحاني التي استولت على مليارات الدولارات جرّاء صفقة الاتفاق النووي، تجاهلت شعبها الذي تصارع نسبة كبيرة منه البطالة؛ فبددتها على شن الحروب الإقليمية في المنطقة؛ بشهادة حلفائها الاستراتيجيين من الأمريكيين الذين كانوا أصحاب الفضل عليها في رفع العقوبات، ومنحها متنفسًا اقتصاديًا، قبل أن يمهدوا لها الطريق لتمارس نفوذًا ثم احتلالًا في العراق وسورية.
ولسنا في صدد الغوص العميق لتحليل أحداث داخل بلاد ما يزال الحراك فيها في أولى خطواته، رغم أن بداياته وسرعة التصعيد بالصِدام؛ ربما تشيران إلى إمكانية تطوره ليكون ثورة حقيقة ذات أبعاد استراتيجية؛ بقدر ما نريد أن نرصد مدى انعكاس تطوراتها على العراق الذي تعده طهران خط المواجهة الأول وهي تؤسس لمشروعها الكبير المدعوم غربيًا والمفضي إلى الاستحواذ على المنطقة بما لا حد يقيده ولا مكابح تعيق جماحه.
في بداية الأمر؛ يلحظ الراصد أمرًا لافتًا يستنبطه من الشعارات التي رُفعت في المظاهرات التي ازدحمت بها المدن الإيرانية؛ يعطي انطباعًا بضرورة التأني في التوصيف، ومحاولة التحقق من أهداف الحراك؛ فإن تلك الشعارات انطلقت من دوافع إصلاحية تتعلق بتحسن واقع الحال الاقتصادي في البلاد، وأخذت طابعًا سياسيًا بشقيّن أحدهما الانتقاد المباشر لسياسات النظام على مختلف الأصعدة، والآخر المطالبة بالكف عن التدخل في شؤون في بلدان؛ سورية، لبنان، وغزّة؛ فقط من باب أن الأموال التي تصرفها طهران هناك أضرّت اقتصاديًا ومعاشيًا بالشعب الإيراني الذي هو أولى بها، وهو كلام صحيح، ومطالبة مشروعة جدًا لكنها منقوصة الحقيقة.
إن عدم ذكر العراق ـ وهو القضية الكبرى والأهم في المنطقة وتتصل مباشرة بالقضايا الأخرى ـ وعدم ظهور قيادة للحراك تتحكم في سيره وتشرح مشروعه؛ يدعم أصحاب النظرية القائلة بأنه من الصواب عدم إطلاق وصف مستعجل على المشهد الإيراني في وضعه الحالي، على الرغم من وجود قناعات منطقية بأن استمرار التظاهرات في أوقات مخصوصة ومنسقة لستة أيام متواصلة، رافقها سقوط قتلى وحصول صدامات بين قوّات الأمن والمتظاهرين؛ كفيل بأن يزيد من زخم الحراك ويأخذ بمساره إلى ما فيه مصلحة المنطقة بدءًا من زعزعة النظام في طهران ومرورًا بانشغاله في مشكلاته الداخلية التي قد تجبره على تغيير العديد من قواعد اللعب، وانتهاءًا بانهياره.
ومن المهم أيضًا في هذا السياق؛ أن المنطقة كلها باتت على يقين بأن منظومة الحكم في إيران بلغت حدًا من السوء عبّرت عنه عديد التقارير في الصحف العالمية بأنه أشد من نظيره في حقبة الشاه؛ ليكون الباب مشرعًا أمام الأنظمة العربية تحديدًا لإعادة النظر في تعاملها وعلاقاتها مع حكومة بغداد التي تسير في ظل طهران، وتستمد منها عوامل البقاء.
وفي آخر المطاف؛ جدير بالقيادة التي تسيّر الحراك الإيراني ـ ولم تظهر حتى الآن ـ أن تنظر إلى ما هو أبعد من المحيط الداخلي الذي تسير المظاهرات في سياقه؛ وتنتقل به من مجرد احتجاجات تطلب إصلاحات؛ إلى مشروع إقليمي يوازن في نظرته مطالبه قياسًا إلى حجم نفوذ حكومة بلاده في المنطقة ولاسيما في العراق؛ لأن الاحتلال الإيراني للعراق إذا تعرّض لتصدع من الداخل بموازاة ما قد يواجهه في العراق من مقاومة ثمة كثير من البوادر تشير إليها؛ فإن المنطقة كلها ستكون على أبواب الخلاص من مشروع توسعي هدفه الاستحواذ على كل ما فيها دينيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وحتى تاريخيًا.