|

خبر ورؤية| إعمار القالب الأعوج!! .. جهاد بشيرFeb 20, 2018

زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر

الكثير من التساؤلات تطرح بشأن حقيقة ودوافع مؤتمر إعمار العراق الذي انعقد مؤخرًا، لاسيما مع كمية التناقضات التي تزاحمت فيه؛ ففي ظل انعدام الثقة الواضح تجاه حكومة بغداد الحالية؛ وعدم قناعة أغلب المانحين بنزاهتها ومصداقيتها؛ بسبب تفاقم الفساد الذي يُتخمها؛ إلا أن المؤتمر منحها مزيدًا من الاعتراف السياسي وتعامل معها على أنها شرعية وجديرة بأن تمثل بلادًا رغم أنها خاضعة للاحتلال بكل المقاييس.

وبالعودة إلى الذاكرة قريبة المدى؛ فإن الولايات المتحدة عبر العديد من صحفها وعلى ألسنة شخصيات لها دور في المسؤولية؛ تحدثت عمّا أسمته إعمار العراق وضرورة توفير أرقام طرحتها في ذلك الحين عن طريق مانحين من دول شتى، وذلك في الوقت الذي تلى بدء العمليات العسكرية على مناطق الساحل الأيمن من مدينة الموصل، حين كانت المعارك لم تزل في طورها الأول، ولم يكن الدمار المفرط قد بلغ هذا الحجم في المدينة ـ بغض النظر عمّا أصاب مدنًا أخرى كالفلوجة والرمادي وبيجي ـ مما يعطي انطباعات عن توصيف المرحلة تلك بأنها تمهيدية لما ستليها، وأن الدمار الذي لحق بغربي الموصل كان نتيجة سياسة مقصودة تتعدى في مقصدها قصف أهداف معينة بدعوى مواجهة مسلحي (تنظيم الدولة).

 وحين تجري المقارنات بين استعجال حكومة بغداد إعلان انتهاء العمليات وتحقيق (النصر على الإرهاب) فيما لم تزل مناطق عدة تشهد اشتباكات وخروقات، وبين اقتراب موعد الانتخابات، وبين انعقاد المؤتمر، تتجلى كثير من الحقائق، ففي وقت مبكر  سبق انعقاد المؤتمر منذ أن بدأت بوادر الحديث عنه تطفو في وسائل الإعلام، فرضت التحليلات المنطقة نفسها على المشهد؛ بأن هذا المؤتمر الذي تهافتت عليه جهات متناقضة في مجال اختصاصاتها؛ ليس سوى صفقة استثمار سيسدد العراق فاتورتها لاحقًا وظهرت مصداقية ذلك بوضوح حينما أعلن المانحون أن ما سيدفعونه للعراق مندرج ضمن الديون السيادية، بمعنى أن اتهام المانحين حكومة بغداد الحالية بالفساد ـ رغم أنه مكسب سياسي للمناهضين لها ـ لم يكن سوى كلمة حق أريد بها باطل تأتي في سياق التدافعات والمزايدات الإقليمية في المنطقة لغرض تدعيم صفوف التنافس السياسي وتأجيج ظاهرة الاصطفاف التي بدأت تتشكل مع قرب الانتخابات؛ فضلًا عن أن الديون السيادية ستصبح في ذمة العراق بغض النظر عن الحكومة التي ستسددها وتتحمل فوائدها، وبذلك يكون المانحون قد أدوا دورهم السياسي المنوط بهم، دون أن تنتابهم خشية فقدان أموالهم باعتبار أنها ستكون استثمارًا يدر الأرباح عليهم من جهة، أو أنهم لن يدفعوا شيئًا سوى تحقيق مكسب بإنجاح المشهد السياسي في العراق بناءًا على ما طُلب منهم، من جهة أخرى.

ويأتي انعقاد المؤتمر بموازاة ذلك لغرض سياسي آخر؛ وهو محاولة إظهار وجود إنجاز في العراق بالقضاء على الإرهاب وتهيئة الجو للانتخابات التي تدعمها جميع القوى الإقليمية والدولية لغرض إبقاء العملية السياسية حيّة، فقضية المؤتمر  ليست لها علاقة كليّة بالإعمار حتى وإن كان هو الغرض الرئيس والمعلن، بل لها مقاصد أخرى؛ بدليل وجود شخصيات وجهات ذات طابع معيّن ليس لها علاقة بملف الإعمار مطلقًا وليس من اختصاصها أبدًا الحديث عن مشاريع من هذا النوع، لكنها ذات علاقة سياسية مباشرة بالترويج للانتخابات والحث على المشاركة فيها عبر فتاوى وتوجيهات خصصت لها منابر ومنصات من أجل التثقيف.

وحين يتدارس المتابع للشأن العراقي عمومًا ومجريات المؤتمر بشكل خاص؛ علاقة عدم مشاركة إيران فيه رغم أنها لاعب أساسي في المنطقة وذات تأثير مباشر في العراق، بالدور المحدود جدًا للولايات المتحدة، وإعلانها عدم المساهمة فيه إلا عبر وكلاء شخّصهم وزير خارجيتها؛ تتجلى صورة جديدة تعبّر عنها مقتضيات سياسة التخادم بين واشنطن وطهران اللتين تديران العملية السياسية باتساق، لتكشف عن جانب من المسرح السياسي الذي يقوم على توازنات تحاول الولايات المتحدة استثمارها لإعادة إنعاش مشروعها في العراق، ليكون إعمار قالب العملية السياسية ذا أولوية بالنسبة لمحوريها ـ أمريكا وإيران ـ ومَن خلفهما؛ أكثر من أولوية إعمار المدن والمشاريع الخدمية والبنى التحتية، فهذه الأخيرة يدرك القائمون على المؤتمر  أن البنيان لا يقوم على أساس أعوج، ولكنهم تنفيذيون تلزمهم طاعة الدول العظمى وتسيرهم مصالحها.

Similar Posts