خبر ورؤية| عقد ونصف بين الخداع والفوضى … جهاد بشيرMar 20, 2018
زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر
لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية وحليفتها بريطانيا تمارسان أي دور حقيقي وجاد في محاولة كسب انتزاع اعتراف دولي بإشغال مجلس الأمن والأمم المتحدة في البحث عن شرعية الحرب التي استهدفت العراق قبل خمس عشرة سنة والتي انتهت باحتلاله ثم تدميره والإجهاز عليه، وإلباسه أثواب العشوائية والفوضى عبر تسليم مقاليد الحكم فيه لرهط من المفسدين.
وعلى الرغم من أن واشنطن صرّحت علانية في ذلك الحين بأنها ماضية باتجاه الحرب حتى لو لم يوافق مجلس الأمن عليها، إلا أن كثيرًا من الشهادات والوثائق أكدت أن قرار غزو العراق اتُخِذ بعد مدة وجيزة من أحداث الحادي عشر من أيلول سنة 2001 ؛ وأكثر منها المعلومات التي أقر بها لاحقًا توني بلير رئيس وزراء بريطانيا آنذاك؛ والتي تشير إلى أن المبررات التي اتكأت واشنطن ولندن عليها لشن الحرب على العراق كانت غير صحيحة، مما يعني بالمحصلة أن الإجراءات التي سبقت الحرب لم تكن سوى بروتوكولات مصطنعة يعرف الرأي العام الدولي جيدًا أنها لا تدخل في أطر ودوائر الجد.
وحتى الدول التي تندرج تحت مظلة التوصيف بـ(الكبرى) على غرار ألمانيا وفرنسا والصين، حينما أعلنت رفضها الحرب، لم يكن ذلك الإعلان إلا مجرد دور أنيط بها، لما له علاقة بما تعرف بتوازنات القوى وطبيعة وظائفها في إدارة السياسات على مستوى العالم والتحكم بالاقتصاد ونصيب كل دولة منها من الكعكعة التي يجري تقاسمها حاليًا عبر شركات النفط والاستثمارات، وملف الإعمار الذي أثير أخيرًا بعدما تم التمهيد له عن طريق التحالف الدولي حينما عادت الدول المعترضة في 2003 للمشاركة في العدوان على العراق وسورية سنة 2014 وما بعدها بدعوى مواجهة ما تسميه (الإرهاب) في سيناريوهات لا تنتهي إلا عند هدف واحد وغاية مشتركة.
وعلى فرض أن الاعتراضات التي واجهت قرار الحرب كانت تتسم بشيء من الجدية لاسيما وأن القواعد الشعبية الرافضة لها كانت ذات سعة معتبرة؛ وظهرت بوضوح في المظاهرات والتجمعات المناهضة للعدوان التي أطلقتها منظمات مجتمعية ومدنية وقوى شعبية في عشرات البدان العربية والأوروبية؛ إلا أن ممانعة الأنظمة للحرب يبقى مقيدًا بوصف الظاهري والصوري الذي تتوارى خلفه أهداف ذات مديات أبعد من مجرد إسقاط نظام أو البحث عن أسلحة دمار شامل لو لم تكن قوى العدوان متأكدة من عدم وجودها لما اقتربت من العراق أصلًا، والدليل على ذلك أن الدول النووية أمثال كوريا الجنوبية التي تعلن العداء للولايات المتحدة ما تزال في مأمن من الحرب رغم كل التصعيدات بينهما والتهديدات التي بلغت حد التمادي والتطرف.
إن مما يؤكد هذه الرؤية أمران؛ أحدهما؛ أن العديد من الدول التي شاركت في الحرب وزجت بقوّاتها لتساهم في الاحتلال؛ انسحبت بعد مدة وجيزة قياسًا إلى عمر الاحتلال، مثل إسبانيا، وكوريا الجنوبية، واليابان، واستراليا، وغيرها؛ رغم أن الأوضاع في العراق لم تستقر ولم يتحقق هدف (التحرير) المزعوم، وهذا يعني أن الوظيفة المحددة لهذه الدول والدور الذي يتناسق مع مكتسباتها ومصالحها انتهى عند هذا الحد، لأن القضية ليست نشر الحرية كما يُدّعى ولا توفير مناخ ديمقراطي كما هو مُعلن.
والأمر الآخر ـ وهو الأكثر أهمية ـ أن جميع تلك الدول والأنظمة اعترفت بالعملية السياسية وتعاطت مع الحكومات التي تعاقبت فيها، وفي ذلك تناقض صريح وتصادم مع أصول السياسية والدبلوماسية؛ إذ كيف يتم الاعتراض على احتلال ومقدماته، ثم يجري التعامل مع مخرجاته ونتائجه؟!
خلاصة ما في القول؛ أن غزو واحتلال العراق ـ بجميع أهدافها وغاياتها المتعددة ـ جريمة عالمية، قامت على خداع مبهرج في تحشيد المبررات، وكذب في سوق الإجراءات، ثم أخذت نتائجها تصنع مشاهد من الفوضى لتبقي على مخرجاتها السياسية (العلمية السياسية) حيّة، بعدما تكفلت المقاومة العراقية بعرقلة مخرجاتها العسكرية التي لم تجد واشنطن وحلفاؤها من سبيل تجاهها سوى التعتيم والتكميم، وطمس الحقائق، وإزاحة الأصوات الناطقة بها، ثم سلوك طرق المؤامرات والشراك التي أنتجت ظواهر مشوهة تحاول من خلالها الترويج لسلخ المشروع المقاوم من مبادئه وثوابته.