|

خبر ورؤية| استعلاء المقاطعة وتداعيات المشهد السياسي .. جهاد بشير

ما تزال ظاهرة الانتخابات تستولي على المشهد السياسي في العراق بتطورات لم يكن الكثير من المتعجلين يحسبون وقوعها، ولاسيما بعد سرعة إعلان النتائج غير المعتادة قياسًا للتجارب السابقة على مدى عقد ونصف من عمر العملية السياسية.

وحين يتم التداول في وسائل الإعلام معلومات بدت أنها صحيحة إلى حد ما تتعلق بإلغاء جزء كبير من النتائج المزعومة، بالتزامن مع استهداف مباشر وتفجير لمقار أحزاب أعلِن أنها ضمن التحالف الذي حصد النسبة الأكبر من الأصوات؛ فإن في ذلك مقدمات ومراحل تأهيلية لفصل جديد من المشهد ربما تكون أبرز مظاهره تحول الخلاف اللفظي والسياسي في المواقف إلى صِدام ميداني، خصوصًا وأن الساحة السياسية باتت مدججة بالميليشيات.

تقول مفوضية الانتخابات التي تتسم بأنها حزبية متلونة الأطر؛ بأن ما أسمته (الانقلاب على نتائج الانتخابات) قد يؤدي إلى وقوع حرب أهلية في البلاد، في محاولة للرد على اتهامها بالتزوير، ليغدو واقع الحال في العراق متطابق تمامًا مع موقف لصوص اختلفوا على تقاسم الغنيمة، فبلغ التدافع بينهم ذروته بعدما قرر كل منهم وسيلة لإزاحة صاحبه، وهذا هو دأب الشركاء المتشاكسين.

الحديث عن الحرب الأهلية في إثر الخلاف الكبير بعد الانتخابات؛ يوثق حقائق طالما شخصتها القوى الرافضة للاحتلال والعملية السياسية، بأن ما شهده العراق في خمس عشرة سنة خلت: من تصعيد طائفي، وانهيار أمني، ودمار واسع النطاق؛ كله ناجم عن خلافات سياسية وتدافع في حلبة النفوذ تمارسه الأحزاب التي قُلدت مناصب في إدارة دفة منظومة الحكم ظاهريًا، وهي في الحقيقة خاضعة لتحكم مباشر من قبل قوى إقليمية هي بدورها متصارعة على مدى أوسع من أجل زيادة نفوذها والظفر بمساحات أكبر لتحقيق مصالحها في المنطقة.

لا بد من الإشارة في هذا المقام، إلى أنه وبعد هذا الكم من الفضائح على مستوى جزئية الانتخابات التي فرضت قسرًا على الواقع العراقي لتكون الأداة الرئيسة لإبقاء الحياة تدب في جسم العملية السياسية؛ أظهر العراقيون نجاعة في الموقف وتطورا كبيرًا في الفهم استفادة من التجارب التي مرت بهم، حينما اتخذوا موقف المقاطعة، وأعلنوا رفضهم لنتائج الانتخابات حتى قبل وقوعها، في استشراف صحيح يعكس قابلية الإنسان العراقي لاتخاذ القرار والشروع بالتغيير، مع بقائه بحاجة ماسة لتصحيح جملة من المفاهيم على الصعيد السياسي، ولمزيد من التأهيل في ميدان الفكر والثقافة العامة.

ما يجري من تداعيات بشأن نتائج الانتخابات؛ يعطي نتيجة مهمة شُخّصت من قبل في مشروع القوى المناهضة للاحتلال والعملية السياسية ولكن العالم أدار لها ظهره؛ وهي أن المقاطعة مشروع صحيح وبنّاء، أثبتت التجربة في العراق أنه خير مسلك في ممارسة عمل سياسي معتبر لا تقيده إرادات خارجية، ولا يخضع  لشروط مصلحية، وهو أفضل مسار  لبلوغ الغاية الكبرى  بتخليص العراق من الاحتلال وآثاره، وبالمحصلة تخليص المنطقة من تداعياته، وعلى العراقيين أن يجعلوا هذه الحقيقة مبدأ ثابتًا وقاعدة تُبنى عليها نظريات مشاريع مستقبلهم، وعلى الرأي العام الإقليمي والدولي أن يضعها في نظر الاعتبار وألا يدعها تفارق حساباته لأن في مآلاتها مصلحة للجميع.

Similar Posts