الشيخ حارث الضاري، شخصية بتاريخ؛ صنع تاريخاً وأسس لمستقبل

حارث الأزدي

تعجز الكلمات عن وصف خلجات النفس في الحزن العميق، وتتلاشى عند التعبير عن الفرح الشديد، لكنها ترتصف بنيانا شامخا في الفخر تستمد من مواقف الرجال أصحاب المنعة والثبات مادة لنسيجها وصياغاتها، هكذا هي اللغة في بعض ساحات فعلها المؤثر والمتأثر.
ولعل حروف تلك اللغة نفسها استنفرت في تسابق عجيب تشد بعضها بعضا لتشكل كلمات تستفز كل معاني البطولة، والرجولة، والثبات، والقوة، والمنعة، وتستدعيها بإلحاح لتنتصب معالم واضحة في ثنايا مقال يراد منه جمع شمائل الشيخ حارث الضاري،وإنه لمن المؤكد أن مثل هذا الأمر صعب على من أوتي قياد اللغة فكيف سيكون على غيره، ولكن العزاء أن المقال يتحدث عن مثابات تخص كاتبه وما جمعه من مواقف على الصعيد الشخصي.

فمثلما قرأنا في التاريخ يوم كنا تلاميذ صغار في مدارس العراق أن محتلا كان يسير في طرقات البلاد في بدايات القرن العشرين يسعى لنهب خيراتها، ويريد فرقتها، وتمزيقها،ومثلما قرأنا عن عظماء في هذه الأمة خلدتهم مواقفهم، كذلك شهدنا بعد أن غادرنا مواقع الدرس الى مواقع الحياة العملية أن محتلا عاد الى البلاد في أوائل القرن الحادي والعشرين، يريد أن يفعل أكثر مما فعل سابقوه، ولكننا شهدنا كذلك أن الأمة لم تعدم رجالها فقد خرج من بين جموعها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه نحسبهم كذلك والله حسيبهم، ومن فضل الله على الإنسان أن يكون له لقاء أو موقف يجمعه مع هذه القامات العالية التي تمثل صوت الحق في حياته التي يعيشها.

كانت لي لقاءات معدودة على المستوى الشخصي مع الشيخ الدكتور حارث الضاري الذي أجمعت تيارات الأمة على أنه فقيد الأمة، تلك اللقاءات مثلت لي ما يشبه مثابات أرجع إليها كلما اعتراني ضعف أو هناة فقد كانت مفاتيح لمغاليق كثيرة تعتري الرؤية نتيجة احتدام المواقف واختلاف التوجهات.

شخصية الشيخ حارث الضاري رحمه الله شخصية قوية ، تؤثر بمن يقابلها، تستحوذ على اهتمامه، تجعله حريصا على اغتنام الوقت واستثمار اللقاء، فالشيخ على علو شأنه يحرص على الاهتمام بضيفه أيما حرص يقابله بابتسامة المرحب السعيد بحضوره، يبقى واقفا حتى يأخذ ضيفه مكانه الذي يختاره الشيخ له بعناية من يحسن إكرام الضيف، يتعرف إليك ،ويسألك إلى أي أرومة تنتسب، يستمع إليك بتمعن من يريد المعرفة، ثم يجيبك بما يراه، يقدّر جدا المحترمين، ويستقبل بحكم أنه للجميع بعضا من المتنطعين والمتلونين والراغبين في استثمار الزيارة لغايات ليست خافية على الشيخ لكنه مع ذلك كان يستقبلهم ويسمعهم حكمه عليهم وعلى من ينقلون عنهم بوضوح القادر على رؤية المشهد من جميع جوانبه، لا يجاملهم بإسماعهم ما يريدون فللكلمة عند الشيخ ميزان أدق من ميزان الذهب.

حضرت شاهدا في حل إشكال بين متخاصمَين أمام الشيخ، وحين أراد الاستماع لشهادتي ذكّرني باسمي فقال أنت سميي فاحذر أن تميل بشهادتك لأحد دون سواه، فأجبته أنا أفخر بذلك في إشارة لتوافق الاسماء، تعلمت من هذا اللقاء كيف أنه يحرص على أن يستمع لكلا الطرفين وسمح لهما بالحديث مطولا مع أنه كانت لديه ارتباطات مهمة، ليحكم في نهاية حديثهما أن ما ذهبا إليه إنما هو من سفاسف الأمور التي لا ينبغي لمن نذر نفسه للتصدي لمشروع الاحتلال الإلتفات إليها وتمت تسوية الأمر بين المتخاصمين وخرجا متفقَين، وقفت في تلك الحادثة أمام رجل جامع للمعاني العالية من أبوابها نسبا وعلما وقيادة وحكمة سياسية ومع كل هذا لا يدخر جهدا في اصلاح بين اثنين في مشكلة يتقدم لحلها كثيرون.
كان رحمه الله حريصا على إدامة التفقد لمن كان يعمل في مؤسسته، يسأل عن الصغير قبل الكبير، مع أنه مشغول في ساحة متلاطمة الأحداث تحيط بها التحديات من كل جانب فهو يقابل السياسي والميداني والإعلامي ويعطي كل ذي حق حقه من تلك المقابلات،كان مجاملا جدا للضعفاء وطلاب الحاجات، وقويا صلبا تجاه من يريد الإساءة للعراق.

من بين لقاءاته التي حضرتها بحكم متابعتي، لقاء الشيخ رحمه االله بجمع من العراقيين كانوا يرومون تأسيس حركة ما، استمع على عادته إلى شرح مفصل عن أسباب انبثاقها وظروف تأسيسها وما حوته بعض أدبياتها وملخص عن أهدافها، حتى أني قلت في نفسي هذا الذي يريده العراقيون في هذا الوقت العصيب، كان ذلك في بداية عام 2005، فأجابهم الشيخ حارث رحمه الله بكلمات لاتزال يتردد صداها في أذني، نعم إن ما تفضلتم به حق ودونكم الميدان يصدقكم أو يكون شاهدا عليكم، لا نخوّن أحدا من غير برهان، ولا نقف بوجه من يريد للعراق خيرا، لكننا لا ندخل ولا نبارك عملا بصفة رسمية قد يحوي بين صفوفه من يبتغون من ورائه مغنما شخصيا، فيحسب هذا الخطأ علينا ونحن منه براء، وشكرا لكم على ثقتكم بنا، وهذا العراق يحتاج إلى جهود كل أبنائه… كانت هذه الكلمات مفتاحا لي في قراءة المواقف وتفحص ما يطرح من مشاريع، فلم تعتمد إجابة الشيخ على التسقيط أو الإنكار؛ بل كانت دعوة للعمل الصادق والميدان كفيل بتمحيص الصادقين.

التقيته مرة بطلب مني حين زار دمشق وكنت فيها بصحبة أخ لي تجمعني وإياه مهمة البحث ببعض متناقضات الساحة حيث اشتعلت الخلافات بين ما هو وطني وما هو إسلامي خالص وكانت جملة أفكار عصف بها الذهن من خلال البحث عن تشكيل هوية الصراع الدائر في العراق، حُدد لنا موعد اللقاء واستقبلنا بحفاوة وتقدير مرحبا مستبشر الوجه باسما متأملا قسمات وجوهنا وكأنه ينظر إلى المستقبل، وأشار إلى من كان في المكان أن لا يقطع أحد علينا هذا اللقاء حتى ننتهي وجلس معي أنا وصاحبي وقال وردني أن في جعبتكم إشكالات وأسئلة صعبة تريدون مني جوابا عليها وأنا جاهز فهاتوا ما عندكم، تهيبت من رسمية اللقاء وقلت في نفسي لا بد من استثمار الوقت وكأنه لن يتكرر، فبادرت بشرح منطلقات الفكرة وسبب البحث عن الإجابة وكيف لنا أن نوفق بين هذه الآراء وما يزاحمها من تلك الأفكار، سألته هل نحن في منزلة الوطنية أم الإسلامية أم في منزلة بينهما،هل يمكن أن تكون وطنية في إطار إسلامي أم إسلام في إطار وطني، وكيف تُوفق والكلام لحضرة الشيخ بين أن تكون أنت هذه الشخصية الإسلامية وأنت تتحدث بحديث الوطنية، وأعانني صاحبي في طرح أفكار أخرى في الموضوع نفسه، استمع لنا الشيخ بكامل جوارحه لم ألحظ عليه تململا ولا ضجرا، أجابنا بعدها كل ما طرحتماه في هذه القضية ينبغي أن ينظر له من زاوية عليا لا من زاوية محشورة داخل المشهد قد تكون ضيقة الأفق أو أنها تنفتح على مديات لا تؤدي نهاياتها إلى النتيجة المرجوة، ففي السيرة النبوية الشريفة شذرات كثيرة متناثرة في ثناياها تدل دلالة واضحة على صحة حب البلد والدفاع عنه، إن بعض الطروحات التي تتغلف بالنصيّة يفوتها علم كثير؛ بل إن بعض الطروحات أثبتت التجربة أن من تبناها دخل النفق الذي يريده الاحتلال بالتخندق الطائفي لتمزيق البلاد سواء كان ذلك بعلم منه أو عن جهل.

كان هذا جانبا من لقائي بالشيخ وقد صرف وقتا ثمينا من أجل الاستماع لنا وأجابنا عنها نقطة نقطة حتى أنه لم يغفل عن أي شيء ورد في تساؤلاتنا، ثم لخص لنا هذا اللقاء بكلمات جميلة لازمتني بعد هذا اللقاء فوثقتها بمقالات وأحاديث، قال لنا الشيخ: إخواني اطرحوا في كتاباتكم وتقاريركم ولقاءاتكم أن المشهد في العراق بعد الاحتلال انقسم إلى فسطاطين، فسطاط مع الاحتلال ويضم كل من جاء مع المحتل أو تعامل أو تعاون معه وفسطاط مناهض للمحتل وكل مخرجاته تلك هي حكاية العراق منها انطلقنا وعلى أساسها نفكر.

التقيت الشيخ مرة في اليمن حيث كنت أشارك في مؤتمر للصحافة هناك، ذهبت مسرعا إليه وسلمت عليه وقبلته، كانت نظراته وهو يسأل عن سبب وجودنا هناك تشف عن احتفاء يخالطه التفاؤل والإعجاب بما نفعل، لكننا في قرارة أنفسنا نحن من نتفاءل ونحتفي بوجوده في مكان نحن فيه، ونحن من يتملكنا الإعجاب بشخصه برصدنا احتفاء العلماء على اختلاف بلدانهم وانتماءاتهم وهم يتسابقون للسلام عليه.

جمعني والشيخ لقاء مع عاملين في الإعلام تحدث الشيخ فيه عن رؤيته وطروحاته، وأوجز ثوابته مع شرح مفصل عن أي إشكال يطرحه الإعلام ولخص نصائحه بعدم الرد على المتخرصين وعدم الالتفات إليهم فهم يريدون منكم الانشغال بما يطرحون من أكاذيب عن هدفكم الأسمى وهو تحرير العراق، قال ذلك مشددا على أخذ الحيطة والحذر فأنتم بإعلامكم كتيبة مقاتلة لا يقل فعلها عما يجري في الميدان؛ بل هي من تتولى مهمة مزدوجة في نشر عمليات الفعل العراقي المشرف متمثلا في المقاومة العراقية، مثلما تتولى نشر المواقف السياسية الفاضحة لمشاريع الاحتلال الأمريكي والتمدد الإيراني.

كنت حاضرا في مجلسه في زيارة وحضر شخص كانت تربطه والشيخ علاقة خاصة يوم كان هذا الشخص دارسا مع نجله الدكتور مثنى لكنه اختلف معه في منتصف الطريق فاتخذ طريقا آخر، هممت بالخروج بعد أن بدأ حديث خاص بين الرجل والشيخ رحمه الله فأشار الي بيده أن ابق مكانك ثم أتبعها بمخاطبتي ما نقوله اليوم تاريخ ينبغي أن تكون على علم بما جرى في أحداثه، كانت كلمات الشيخ تغلفها مرارة نكوص من كان يأمل الشيخ فيهم استمرار المواصلة كان حريصا على وصول الجميع إلى أهدافهم ويحزنه كثيرا مكوثهم في المنعطفات وانصرافهم إلى أهداف شخصية أو ثانوية، ما يعنيني من هذه الحادثة احترام الشيخ لجلسائه وضيوفه بل ويشعرهم بأهميتهم مستنهضا بهم الهمم في مواصلة طريق الحق.

في يوم من أيام العراق عام 2014 وردني اتصال هاتفي من أخ عزيز كان عند الشيخ الضاري في مكتبه وأخبرني أنه كان في حديث مع الشيخ وورد اسمي وان الشيخ يريد محادثتي ببعض الأمور الإعلامية فرحبت بذلك ودار في رأسي ما كتبت خلال شهرين بثوان معدودة راجعت فيها ما طرحته من أفكار هل كتبت شيئا يستدعي مكالمة الشيخ بنفسه، لم يطل الانتظار حتى بادرني صوت الشيخ بالسلام كوالد حنون يسأل عن صحتي وعائلتي وكيف هي الحياة معي فحمدت الله وشكرته وقلت إننا بخير ما دمتم بخير، ثم أردف ذلك بملاحظات عن الطرح الإعلامي وما ينبغي الاهتمام به في هذا الظرف بالذات فلربما ينتفع الناس بالطروحات الثقافية العامة والترف الفكري الذي ينشط العقل لكن الواجب اليوم إدامة الفعل الجماهيري ونشر كل الفعاليات وكان ذلك وقت تظاهرات ساحات الاعتصام في المحافظات الست، وأكد الشيخ على وجوب إبراز حياة الشعب العراقي الرافض للظلم وأنه مهما بلغ حجم المؤامرات فقد أثبت الشعب العراقي أنه شعب تمثلت به كل معاني الحياة.

تلك كانت ومضات حرصت على تدوينها في أوقات متباعدة كانت بدايتها في تسعينات القرن الماضي يوم لفتت نظري مواقفه المدافعة عن السنة النبوية، كنت أظن جهلا أن الفخر يقف عند حدود التاريخ فقط لكنني أيقنت بعد تقصي سيرة هذه القامة العراقية، أن حاضرا يمكن ان يوازي ما نفخر به تاريخيا وأنه لابد أن يكون هذا الحاضر تاريخا سيفخر به آخرون يأتون من بعدنا، تتبعت مواقفه وأعجبتني قوة طرحه وأسرني ثباته على الحق حتى إذا وصلنا إلى منصة تبيان الحق تجاه الاحتلال في 2003 وما تلاها ، زاد عندي ما كنت أهتم به، فالمرحلة تحتاج من العلماء موقفا وكان هو صاحب الموقف الأبرز والأقوى والأوضح، ومضت السنون والأعوام وصار الشيخ حارث مفخرة للعراق؛ بل والأمة بموقفه الكبير وثباته على المبدأ.

فقدنا الشيخ حارث الضاري ولايزال العراق محتاجا لرجل مثله ولكنها الأقدار فلا نقول ما يغضب ربنا وإنا على فراقه لمحزونون وإنا لله وإنا إليه راجعون.
رحم الله شيخنا حارث الضاري فقيد الأمة وأسكنه فسيح جناته وأخلف الأمة في مصابها بفقدانه خيرا.

Similar Posts