التعليم في العراق.. الواقع والأمل

يعد نظام التعليم اللبنة الأساسية لأي مجتمع في العالم؛ لذا متى ما كان نظاماً رصيناً يستند على أُسس تربوية وعلمية تواكب التطور العلمي والتكنلوجي حظي المجتمع بالازدهار الثقافي والاقتصادي، وأصبح المجتمع واعيا قادرا على بناء بلده والرقي به إلى مستويات أعلى على كل الأصعدة.

ولو أردنا أن ننظر لمثال على ذلك فإن تطور اليابان على جميع الأصعدة يعود إلى نظام التعليم فيها، والذي يعدّ من أنجح النظم التعليمية في العالم، والذي أثبت نجاحه على مدى سنوات الماضية، فمنذ استسلام اليابان لقوات التحالف سنة 1945 تغير نظام التعليم فيها وسنت قوانين جديدة لهذا النظام كان من أهمها:

*الاحترام المتبادل بين الطالب والمدرس.

*تخصيص قيمة عالية من ميزانية الدولة لدعم قطاع التعليم.

واليوم برهنت اليابان أنها نجحت في استثمار أموالها في نظامها التعليمي بدليل إنها أصبحت في مقدمة الدول المتقدمة صناعياً وثقافياً، وتبعتها في ذلك دول أخرى كسنغافورة في عصرنا الحديث، وهذا بالتحديد ما نحن بحاجة إليه لمحاولة النهوض بالواقع التعليمي في العراق.

نظام التربية والتعليم في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 حظي بنظام رصين يعدّ من أرقى النظم التعليمية في الشرق الأوسط؛ حيث يستند إلى مؤسسات تعمل بنظام دقيق ومدروس يهتم بطرفي المعادلة التعليمية (الطالب والأستاذ) وسار العراق على هذا النمط المتطور لسنوات شهد فيها واقع التعليم عصراً ذهبياً أُعتبر بسببه نظام التعليم العراقي من أكثر النظم تطوراً في المنطقة، وحقق منجزات تربوية منها:

* ارتفاع معدلات الالتحاق الإجمالية حتى وصلت ما يقارب 100%.

* انخفاض نسبة الأُمية بين الفئة العمرية (15_45 ).

* انعدام تسرب الأسئلة كمقارنه مع دول الشرق الأوسط.

* بلغ الإنفاق على التعليم 20% من ميزانية الدولة.

إلا أن الفرحة لم تدم طويلاً حيث بدأت ظروف الحروب تؤثر سلباً على واقع التعليم ثم أعقبها الحصار الذي دام 13 سنة والذي عزل العراق إقليمياً ودولياً، مما انعكس سلباً على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وبالتالي العلمي لطرفي المعادلة التعليمية على حد سواء.

إلا أن كل هذا لم يكن شيئاً أمام ما حصل لاحقاً أي بعد احتلال العراق عام 2003 حيث لحق بقطاع التعليم دماراً فضيعاً على جميع الأصعدة مثل:

* تعرض مراكز الأبحاث والمكتبات والمختبرات إلى عمليات سلب ونهب وتدمير ممنهجة.

* تدهور حالة بنايات المدارس والمرافق التعليمية الأخرى، وخلوها من أبسط الخدمات الصحية والتعليمية.

* غياب المعايير الموضوعية لعملية التعليم.

* انتشار الرشوة والفساد الإداري والمالي مثل التعاقد مع مقاولين وهميين لبناء عدد من المدارس، وتسريب الأسئلة قبيل الامتحانات النهائية وتزوير الدرجات والشهادات.

* محاولة أحد طرفي المعادلة أو كلاهما (الطالب والمدرس) تسييس العملية التعلمية وتحويل المدارس والجامعات إلى ساحات للتجاذبات الطائفية والسياسية.

* تداول وزارتي التربية والتعليم العالي تحت خيمة المحاصصة الطائفية بين شخصين مختلفين في انتماءاتهم وسياساتهم، أثر سلبا على الطالب والاستاذ فهما ضحايا المحاصصة.

* الاضطرابات الأمنية المستمرة بالتأكيد تؤثر بشكل مباشر على العملية التعليمية، وهجرة حوالي 40% من الكوادر العلمية والتدريسيين فضلا عن الضحايا من الكادر التعليمي الذين بلغ عددهم بالآلاف تدريسي خاصة خلال 2006.

* انتشار ظاهرة التدريس الخصوصي بشكل واسع مما أثقل كاهل الطلاب وذويهم خصوصاً الطبقة المتوسطة من الشعب، وكذلك انتشار المدارس الأهلية بشكل هائل بهدف النجاح المضمون وطبعاً من أجل الكسب المادي ليس إلا.

* كارثة نظام الدور الثالث التي لم يسبقنا أحد إليها في العالم، حيث إن هناك قانون علمي محترم يقول “لا إكمال بعد الإكمال” حيث إن الطالب الذي لم ينجح في اجتياز الدور الأول والثاني برهن على عدم جديته وعبثه، وإعطائه فرصة أخرى يعد استهتاراً بالعملية التعليمية برمتها ولا نتوقع لجامعاتنا أو مدارسنا إعداد أجيال متعلمة وفق هذا النظام.

مما تقدم نجد أن واقع التعليم في العراق يعاني من مشاكل خطيرة ينبغي التفكير في حلول جذرية وسريعة لها مثل: تخصيص نسبة كافية من ميزانية الدولة لدعم هذا القطاع، ومحاربة الفساد المستشري في التعليم، وإعداد كوادر تعليمية بإعطاء فرصة للشباب للنهوض بواقع التعليم بدماء متطورة تأخذ التجربة الرصينة من الكوادر السابقة، كذلك تجديد المدارس والمعاهد والجامعات وإعادة تأهيلها من حيث البنايات والتجهيزات المختبرية والمكتبات، وتطوير المناهج بما يتلاءم مع التطور العلمي والتكنولوجي الحاصل في العالم، بعيدا عن حشر المواد الطائفية في المناهج التي ستمزق النسيج الاجتماعي من حيث نشعر أو لا نشعر، وإصدار قوانين تقنن انتشار المدارس الأهلية والتدريس الخصوصي.

وإن استمر الحال على ما هو عليه سنكون أمام كارثة جهل في السنوات القليلة المقبلة وستكون المؤسسات التعليمية ليست إلا “مصانع للحمقى”، وسنبقى من فشل إلى فشل في تأخر مستمر عن مواكبة التطور ومسابقة الدول التي تبحث عن الرقي والعدل.

والمراقب لحال العراق الآن مع حكوماته الفاسدة غير المكترثة بالتعليم ومؤسساته، يصيبه الرعب من المستقبل وما سيؤول إليه الحال؛ ولذلك فإن المسؤولية الأكبر اليوم تقع على الطالب والهيئات التدريسية في كل المراحل أن ترتقي بالمؤسسات التعليمية والحفاظ على ثروة البلد المتمثلة بعقول الطلبة آخذين بزمام المبادرة دون انتظار شيء من حكومة اشتهرت بالطائفية والفساد.

خاص بجريدة البصائر العراقية

Similar Posts