في ذكراها الثالثة بعد المائة
ثورة العشرين .. صِلات تأريخية ومشروع متجدد
بقلم : جهاد بشير
يعيش العراقيون في أجواء الذكرى الثالثة بعد المائة لثورة العشرين الكبرى، التي تركت في تأريخ العراق بصمة لا تُمحى بعدما تجسدت فيها معاني الوحدة الوطنية والاستعلاء على مسببات الخلاف والتضاد، حينما تضافرت جهود العراقيين نحو هدف واحد يتمثل بتحرير العراق من الاحتلال البريطاني والتخلص من مشروعاته التي أفسدت في الأرض وأهلكت حرث البلاد ونسلها.
وتتكرر في كل عام ذكرى الثورة العراقية الكبرى لتعطي العراقيين وغيرهم دروسًا في كيفية استثمار الملاحم التأريخية وإعادة توظيفها في واقعهم المعاصر الذي يعاني ظروفًا مشابهة تمامًا لظروفهم مطلع القرن الماضي التي تسببت باندلاع الثورة وفرضت على الاحتلال البريطاني والمتعلقين به موقفًا لم يكن في حسبانهم.
إن العراق اليوم يعاني تحت وطأة الاحتلال الأمريكي – الإيراني المزدوج من مشكلات جمّة وعلى كافة الصعد، ولا تقتصر هذه المشكلات على واقع أمني، أو مشهد سياسي، أو مستوى اقتصادي، بل تتعدى إلى الإطار الحياتي للعراقيين بأنواعه: الثقافي، والحضاري، والقيمي، والاجتماعي، والعشائري، والتعليمي، وغير ذلك، مما جعل العراق يهوي إلى دركات من الفوضى والتخلف وكأنه عاد إلى العصور المظلمة في الوقت الذي ينبغي أن يكون رائدًا يُحتذى به، ومثابة تُقصد.
ورغم كل ذلك لا يزال المشروع السياسي للاحتلال ممثلاً بالنظام القائم والحكومات المتعاقبة التي يفرزها بين حين وآخر؛ يسعى إلى تجميل المشهد القبيح الطاغي على الساحة العراقية وتمتد آثاره ومخرجاتها إلى المنطقة والمحيط الإقليمي؛ بإغراق الوسط الإعلامي بمصطلحات وأفهام ومواقف مصطنعة تتحدث عن: حرية، وديمقراطية، وحقوق إنسان، وسيادة، وعلاقات دبلوماسية، ورفاهية، تمامًا مثلما كان هذا النوع من المصطلحات أو ما يناظرها آنذاك رائجًا في حقبة الاحتلال البريطاني الذي كان يتكئ عليها لترويج مشروعه وفرض تحكمه.
وحين نربط الواقع بالتأريخ، ونرصد كيف استطاع ثوّار العشرين إيجاد المساحات الواسعة المشتركة بين مكوّنات المجتمع العراقي، ونخبه، وقواه المؤثرة، وعشائره الحرّة، في ظل حرص منقطع النظير على التضحية والبذل والعمل بكل جهد متاح لإنتاج ثورة تجمع العراقيين، وفكرة تصنع تصوراتهم الوطنية، وحراك يقودهم إلى صد القوى الأجنبية التي تسلطت على بلدهم واستولت على خيراته، وعززت نفوذها بالتضييق على حرياتهم، ومحاولة تأجيج الفتنة والخلافات الطائفية والعرقية بينهم؛ لا يسعنا إلا استحضار مآثر الأجداد وتوظيفها لتكون زادًا للأحفاد، ولكي تتهيّأ لهم – في ضوئها – أسباب وأدوات كتابة صفحة جديدة من تأريخهم وتأريخ بلادهم ذات المؤهلات العظيمة الكفيلة بالثورة على كل واقع شاذ يعتريها، وقمع كل غريب مستعلٍ يريد التحكم بها .
لقد بات العراق اليوم أسيرًا تحت حراب الميليشيات الطائفية والعنصرية، والأحزاب السياسية ذات النزعة الديكتاتورية الإقصائية التي صنعها الاحتلال وهيّأ لها طرق التسلط وأنماط الاستبداد، وفرضها على العراقيين لتكون عصاه الضاربة، فأخذت تمارس طغيانها بنَهَم، وتتبنى السلوك الإرهابي في الانتهاكات والجرائم الممنهجة التي أدمنت عليها، فضلاً عمّا يغشاها من فساد، وخداع، وأكاذيب لا تخجل من التفوه بها رغم إدراك الجميع بطلانها.
ولمّا كان الحال كذلك، فإن في استذكار ثورة العشرين ما يُألب همّة العراقيين، ويوقد جذوة قوتهم وقدراتهم الكامنة، من أجل النهوض ببلادهم والعمل على انتشالها من حالة الضياع التي تلفها، تمامًا مثلما تحرّك أجدادهم قبل أكثر من قرن من الزمان في وقت لم تكن الإمكانات المتاحة اليوم متوافرة، ولم تكن ثمة وسائل تواصل سريعة مثلما هو الحال عليه اليوم، ورغم ذلك فرضت ثورة العشرين نفسها في تأريخ العراق ودوّنت اسمها واضحًا على صفحاته.
إن مما نؤمن به في هذا المقام، أن العراقيين جميعًا وعلى تنوّع مكوناتهم وتباين ثقافاتهم، واختلاف توجهاتهم؛ يمكنهم أن يلتقوا عند نقطة واحدة لا ينشأ فيها خلاف، ولا تتولد عندها منافسة قد تقود إلى إقصاء أو إزاحة؛ حينما يستعلي في أذهانهم الحس الوطني، ليترجم إلى سلوك جمعي كل عنصر فيه يدرك مهمته ويعرف وجهته؛ وهذه النقطة هي ذاتها التي تجمّع عندها قادة ثورة العشرين من علماء وشيوخ ونخب، ثم لحقتهم عشائر العراق، ومدنه، وجماهيره من أقصى شماله إلى أدنى الجنوب، ولأجل ذلك لا بد للعراقيين أن يعوا أن الصِّلات التأريخية التي تربط بين ماضي العراق وحاضره لا تزال قائمة، وأن الظروف الموضوعية التي اكتنفت ثورة العشرين وفي كثير من تفصيلاتها لا تزال عاملة في يومنا هذا، وإذا تحقق الوعي المنشود؛ عُرف الواجب المطلوب، والله غالب على أمره.