|

مؤتمر بغداد .. و”الجسر الذهبي” الإيراني

بقلم : جهاد بشير

ليس بمستغرب ما تفوّه به رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيراني “كمال خرازي” بشأن توصيف طهران العراقَ بأنه “الجسر الذهبي” الذي يربطها بالعالم العربي، ولكن أن يأتي تأكيد هذه المعلومة بالتزامن مع تصريحات رئيس حكومة الاحتلال التاسعة بشأن مؤتمر بغداد للتكامل الاقتصادي وانعقاده مرة أخرى بعد أشهر بذريعة تقوية العلاقات مع دول الجوار؛ يؤكد الحقيقة التي تقضي بأن كل ما تجريه حكومة بغداد من علاقات مع أنظمة المنطقة إنما هو لصالح إيران.

وبينما يقول السوداني: إن حكومته تعمل على ما أسماه “إيجاد تكتل اقتصادي ناجح بين البلدان العربية وبلدان المنطقة”؛ يقرّ المتحدث باسم حكومة بغداد “باسم العوادي” بأن 90 % من اتفاقيات الحكومات المتعاقبة التي يُعلن التوقيع عليها مع دول المنطقة العربية والمحيط الإقليمي؛ لم تتحقق، وأن علاقات متينة مع دول الجوار ولا سيما الخليج لن تتحقق بسبب سياسات حكومات العملية السياسية التي لا تخدم مشروع انخراط العراق في المنظومة العربية.

هذه المعطيات التي ربما تمر عبر وسائل الإعلام مرور الكرام، تُظهر الحقيقة التي لا تبدو غائبة عمّن يرصد المشهد العراقي ويحلل مجرياته، والتي يدور مفادها حول قضية سبق أن قررتها القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية بعد تشخيص قاد إلى الاستشراف؛ بأن كل علاقة “دبلوماسية” تجد المنطقة نفسها ملزمة بالتعاطي مع نظام بغداد في ظلها إنما هي مجرد تلبية لرغبة أمريكية تريد واشنطن منها الحفاظ على “ديمقراطيتها” في العراق، وذلك يقتضي أن تكون إيران طرفًا منتفعًا من ذلك بالنظر إلى علاقتها التخادمية مع الولايات المتحدة، حيث تسعى الأخيرة إلى تحقيق مكاسب لشريكتها مقابل أن تضمن الأولى لها المحافظة على عوامل بقاء العملية السياسية حيّة وقائمة حتّى وإن كانت مشوهة الشكل أو متصدعة البنيان، فالمهم من المنظور الأمريكي أن يقال: إن في العراق نظامًا سياسيًا يتعاطى مع نظرائه في المنطقة ولو بشكل صوري!

وما دام الحديث عن ظاهر في العلاقات بين حكومة بغداد ودول المنطقة، التي يُراد لها الرواج في الأوساط السياسية مع تغييب تام لجوهرها وحقيقتها؛ فإن المشهد الإعلامي لا يخرج عن نمطية الانتقاء في التغطية، ليُظهر ما يُراد له الظهور ويعمّي على ما سواه فضلاً عمّا يدين العملية السياسية – منظومة وأحزابًا وأشخاصًا – لذلك لا يجد المتابع تحت أضواء التغطيات خبر تورط أعضاء من الوفد الرسمي لوزارة النقل في حكومة بغداد الحالية بتهريب المخدرات أثناء مشاركتهم في افتتاح خط نقل بري بين العراق وأرمينيا يمر عبر إيران، في فضيحة ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة قطعًا، وقد راجت في أوساط الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي معززة بالأدلة، لكن صداها قوبل بالكتم التام مثلما تم التعامل مع فضائح أخرى كثيرة في سياقات مختلفة.

بات واضحًا أن جميع الأطراف التي تتعاطى في علاقاتها مع حكومات العملية السياسية في بغداد، تعطي الضوء الأخضر لطهران لتدشن “جسرها الذهبي” وتنجز عبورها إلى المنطقة، رضوخًا لسطوة واشنطن وسعيًا يُبديه الجميع نحو تحصيل المكاسب المتوخاة من تطبيع العلاقات مع إيران تحت مظلة الرعاية الأمريكية التي لا تخفي مقاصدها وهي تهدد الإقليم بجملة من المخاوف من بينها المشروع التوسعي الإيراني الذي لا يتقاطع بطبيعته مع ما يريده الغرب حتى وإن تزاحمت شعارات العداء الكاذب بينهما، والله غالب على أمره.

Similar Posts