الأجندة الأمريكية ودبلوماسية التخادم
بقلم : جهاد بشير
طالما شكّلت المصطلحات التي توردها الولايات المتحدة؛ أزمة مفاهيم في الأوساط السياسية قبل الشعبية ولا سيّما في المشهد العراقي وما له صلة بإيران وميليشياتها وأدواتها، بحيث يحاول المسؤولون الأميركيون ووسائل الإعلام من صحف ومحطات وغيرها؛ صناعة تصورات معينة مقصودة ومرصودة عن طريق إيراد نوع مخصوص من المصطلحات يضفي ثقافة معينة في أذهان الناس.
مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان استخدم هذا المسار مؤخرًا وهو يستعرض تقريرًا ذي صلة بالمشهد العراقي، فبينما أقرّ بأن بلاده “لم ترفع علم النصر” في العراق؛ أشاد ضمنًا هو إلى الصراحة أقرب بمسلك الميليشيات الإيرانية التي قال إنها قلّلت من هجماتها على المواقع الأمريكية الدبلوماسية منها والعسكرية، على الرغم من أن مصطلح التقليل يعطي انطبعًا عن كثرة هي في الحقيقة لا وجود لها سوى في صراخ الخطابات ذات التصعيد النظري، ويترك الباب مفتوحًا لهجمات أخرى لن تكون يومًا واقعًا ملموسًا لكن السيناريوهات المفترضة واللازمة في معادلة التنافس التخادمي بين واشنطن وطهران قد تقتضيها في مرحلة لاحقة.
مقارنة تصريح المستشار مع ما قالته السفيرة الأمريكي لدى حكومة بغداد آلينا رومانوسكي من أنّها “سعيدة لمستوى التعاون” مع رئيس حكومة بغداد بالنظر للتوافق بين البيت الأبيض وحكومة الإطار التنسيقي على جملة من القضايا من بينها: ملف الطاقة والقطاع الخاص، وكلّها – كما هو معروف – مرتبطة بإيران؛ تعطي انطباعًا عن شكل جديد من أشكال التخادم بين الطرفين الدولي والإقليمي في حلبة اللعبة السياسية الجارية في العراق والتي هي بالضرورة منطلق لساحة اللعب في المنطقة.
الثابت في معادلة المشهد العراقي في نمطها الحالي؛ أن العلاقات الأمريكية الإيرانية لن تكون ذات عداء تام ينتهي إلى الاقتتال، فهذا من ضروب شبه المستحيل، لكنها قد تتخذ مسارات أخرى تعزز من المفاهيم التي يُراد لها الرواج في الأوساط بغية بلوغ أهداف ومقاصد مصلحية، من قبيل الترويج لما أسمها مستشار الأمن القومي الأمريكي “استقلالية” حكومة بغداد، و”أجندة” الولايات المتحدة في العراق بشأن علاقة حكومة الاحتلال التاسعة بنظام طهران، وربطه ذلك كلّه بما وصفها بـ “استراتيجية” الولايات المتحدة المبنية على “الردع والدبلوماسية”.
الحقيقة الملحوظة في المشهد العراقي؛ أن “الدبلوماسية” الأمريكية تجاه إيران وأدواتها من أحزاب وميليشيات؛ مظهر حاصل لم يغب عن أنظار الراصدين، وهي في الوقت ذاته جوهر متحقق في جميع مراحل العملية السياسية ولعبتها التي أنتجت على مدى عقدين حكومات في بغداد لم تخف ولاءها لطهران مطلقًا، بينما لا يجد المتابع شيئًا من “الردع” لا على ظاهره ولا في حقيقته تجاه القيء الإيراني في العراق من عبث السياسة، وغوغاء الأمن، وسطوة على الاقتصاد، والخبال ثقافي، والفساد القيمي وغير ذلك من أنماط التدمير والإهلاك؛ لأن ذلك في أول الأمر وآخره مقصد أمريكي لا ينفك مشروع الاحتلال في العراق عنه ولا يصرف النظر عن تطبيقه تحت أي ظرف وفي أتون كل مرحلة.
تبقى مصطلحات الخطاب الأمريكي أكثر تهذيبًا من نظيرتها في الخطاب الإيراني، لأن الولايات المتحدة تعمل على ترويض إيران واستخدامها لتكون العصا الأكثر غلظة في العراق والمنطقة، لذلك تلزم واشنطن نفسها بالتعاطي معها على هذا النحو فتقدم “الدبلوماسية” نظريًا وعمليًا لتكون هي المفتاح الرئيس لولوج أبواب مرحلة في إثر أخرى، وتترك “الردع” للتنظير والاستهلاك الإعلامي الذين من شأنهما إشغال الناس بالجدل والتصورات والتقديرات التي تسلك اتجاهات مغايره لمبتغى واشطن، في حين لا ينفك جماح إيران يحفزها على طلب المزيد ويغذي أطماعها نحو التمدد أكثر، فتظهر تصرفاتها وخطاباتها على هيئة مشاكسة لا تغضب الشريك لكنها توصل له رسائل لعله يحسب حسابها في إعادة تقسيم مساحات المصلحة والمكسب.
حين نتذكر مجريات الأحداث في الثلث الأول من عمر الاحتلال في العراق، ونجري قراءة لتطوراتها على مدى عشرين سنة خلت؛ تتضح الكثير من مقاصد الخطابات التي تختبئ خلف المصطلحات؛ ففي ذلك الحين لم تكن طهران تحلم بأكثر من الظفر بـ”إقليم البصرة” بلون طائفي محض ليكون منطلقها نحو التوسع، لكنها وجدت نفسها تستولي على العراق وسورية، وتفرض قوتها في اليمن، وتمد المزيد من أذرعها في المنطقة التي أعادت حليفها نظام بشار الأسد إلى “الحضن العربي”، وبدأت طهران في إثره تجد أحضانًا دافئة تمهد لفتح سفاراتها في بلدان ودول لم تكن تكف عن شتمها ومعاداتها تحت مظلة الطائفية، والله غالب على أمره.