|

خيارات عراقية أمام بدعة “قانون الانتخابات”

بقلم : جهاد بشير

غير واحدة من الأوساط الصحفية المحلية منها والغربية تحدثت عن احتمال تجدد المظاهرات في العراق بعد إقرار من يوصفون بـ “النخب السياسية” تعديل قانون الانتخابات المتعلق بمجالس المحافظات تحت مسمى “سانت ليغو” بالنظر لكمية السم الذي دسه السياسيون في “عسل” ديمقراطيتهم المزعومة، وإحالة القانون المعوج أساسًا قبل تعديله؛ إلى أداة تعزز هيمنة أحزاب السلطة، وترسخ جذور شخوصها لتستمر في ممارسة طغيانها وفسادها.

وهذه القراءة والرؤية المتوقعة للمشهد العراقي تكاد تكون جيدة في حال كانت المظاهرات مجدية في وجه منظومة حكم معتبرة في تكوينها وبُنيتها وتحترم نفسها في الأداء والسلوك، ولكن الأمر في العراق ليس كذلك البتة؛ فالمظاهرات من هذا النوع لن تكون مجدية أمام عصبة من الأحزاب لا تعرف من النمط “الديمقراطي” الذي تؤمن به هذه الصحف وتتبناه في التعاطي مع تحليل القضية العراقية؛ غير الرأي الأحادي الإقصائي، والقمع المفرط، والسطوة العسكرية التي تُسلّط على كل من يعترض على العملية السياسية أو مخرجاتها من حكومات وقوانين.

سوف يكون للمظاهرات العراقية المتوقعة ثمار وجدوى في حال أنها خرجت لمناهضة النظام تأسيسًا وتكوينًا، وتستهدف الإطاحة به واقتلاعه من جذوره، دون فسح المجال لأنقاضه بمحاولة التجربة مرة أخرى ، وليس فقط للاعتراض على مخرجاته، أو نتاجاته المتعلقة بالقوانين والقرارات. وحتى تلك المظاهرات التي تطالب بالخدمات والوظائف – وإن كانت تعبّر عن ظاهرة صحية في الأوساط الشعبية العراقية – فإنها لن تبلغ سقف الطموح طالما بقيت العملية السياسية قائمة.

إن الحقيقة المغيّبة أو التي يراد لها أن تُغيّب عن وعي الجماهير في العراق؛ تشخيصُ المشكلة العراقية في النظام الذي ولّده مشروع الاحتلال، واما ما دون ذلك فليس سوى نتيجة منطقية لعلة لو تم القضاء عليها لزالت كل ظواهرها، لذلك يُراد حتى في بعض الساحات التي تعلن “وطنية” متكلفة؛ أن يكون التصور العام قائمًا على أن مشكلة العراق تكمن في الحكومات والقوانين والأشخاص، ولعل الواقع ومجريات الأحداث تعزز هذا الفهم في الأذهان، إذ لم يمر في تأريخ العراق أن بلغ هذا المستوى من الانحطاط في كل شيء بسبب فساد هذه الحكومات وتخبطها في مستنقع الفشل، فضلاً عن تشوّه قوانينها وعدم أهليتها.

الاقتصار على هذا الفهم وتوجيه فرضيات الحل نحوه فقط؛ له من الداعيات ما يولد مخاطر أكثر على العراق والمنطقة بمرور الزمن، لأن القاعدة التي يقوم عليها لا تتسم بالاستواء ولا تحظى بالانضباط، وليست بذات شرعية أو عدل، وتفتقر لأي اعتبارات منطقية، وليس لها من المصداقية حظ أو نصيب، ولو افترضنا أن الجماهير استطاعت الإطاحة بإحدى حكومات هذا النظام، وأزاحت أحزابها وأشخاصها من المشهد، ثم جيء بأكثر الناس عدلاً وأصدقهم قولاً، وأنجعهم فهمًا وأنظفهم يدًا؛ ثم وضع مشروعه السياسي الرصين المنضبط على هذه القاعدة؛ فلن يخرج منها بغير الفساد والفشل، ولن يكون سوى حلقة أخرى في سلسلة الحكومات المتعاقبة التي بلغت فضائحها الآفاق.

ولنا في تجربة ثورة تشرين دليل وأثر؛ فقد أثمرت الثورة – مرحليًا – إجبار حكومة الاحتلال السابعة على التنحي، فماذا حصل؟ جاءت نظيرتها الثامنة، وخلفت من بعدها التاسعة فلم تزدد الأمور إلا سوءًا ولم ينل العراق ولا العراقيون إلا مزيدًا من المآسي الممزوجة بالفشل، والمشكلات التي تتصاعد أزماتها تعقيدًا دون وجود آمال للحل أو رؤية للخلاص، فضلاً عن تكرار الوجوه التي تبادلت المواقع، وحظوة غير مسبوقة للمجرمين والمتورطين بدماء وأموال العراقيين بإفلات تام من العقاب والمحاسبة!

إن إقرار “سانت ليغو” ما هو إلا إجراء مبتدع مارسته أحزاب السلطة تماشيًا مع رغبات مؤسس العملية السياسية الذي بح صوته وهو يصرخ بـ”الديمقراطية” ويحاول جاهدًا أن يثبت نجاحها، دون جدوى؛ ثم إنه وسيلة احتياطية للمناورة بها في ظل أي مشكلة تطرأ على المشهد السياسي في حال كانت نتائج انتخابات المحافظات على غير ما هو مخطط له، مثلما حصل في الانتخابات النيابية التي سبقت تشكيل حكومة الاحتلال التاسعة، في فضائح معتادة بعضها من بعض، هدفها الزج بالخلافات والمعتركات والانهيارات الأمنية في مسار العملية السياسية التي تتعطل استمراريتها إذا لم يكن ثمة اضطراب أو فوضى في الساحة والمشهد.

المظاهرات المناهضة لمخرجات العملية السياسية؛ مطلوبة، لكنها غير كافية لوحدها، إذ لن تدوم آثارها طويلاً ولن تبلغ اتجاهاتها المساحات المأمولة، لذلك يفرض الواقع وواجب الوقت على العراقيين النظر مجددًا في خياراتهم وتعزيزها بالخيار الأكثر نجاعة وإثمارًا، بدءًا من الاستمرار بمقاطعة الانتخابات التي أثبتت أنها خيار سياسي معتبر في الجولة الأخيرة قبيل تشكيل حكومة بغداد التاسعة، ومرورًا بمقاتلة العملية السياسية من خلال الثورة الشاملة على قواعدها وأسسها حتى لا يكون لمخرجاتها وجود أو تأثير، وانتهاءً بالتأسيس لمشروع سياسي ذي وحدة في الفكر والتكوين، وأهداف مشتركة تمهد لمستقبل يليق بالعراق دولة وشعبًا، والله غالب على أمره.

Similar Posts