المعتقلون .. وجرائم الموت البطيء
بقلم : جهاد بشير
لم يفارق مصطلح “الإرهاب” بتوظيفه الطائفي لسان وزير الدفاع الأميركي “لويد أوستن” الذي نزل في بغداد فجأة، بالتزامن مع موجة من الزيارات التي يجريها مسؤولون أوروبيون في العراق والمنطقة وسط فوضى من التوقعات بشأن تداعياتها أو ما تهدف إليه في ظل أزمة تغشى المنطقة ولا تبدو ثمة آفاق منظورة لنهايتها.
وبينما لم يتطرق الوزير الأمريكي إلى الميليشيات وجرائمها حتى – على الأقل – بشأن حديثها المتواصل عن “بطولاتها” المزيفة بشأن استهداف القواعد الأمريكية في العراق؛ ينتشي قادة الميليشيات المرتبطة بإيران مرة أخرى بعد نحو أسبوع من حصولهم على “مباركة” الأمين العام للأمم المتحدة الذي حلّ بينهم ضيفًا وتبادل الأطراف بهجة غير مسبوقة حينما كان كل منهم يحتفي بالأخر.
مجريات من هذا النوع حينما تحتل الساحة العراقية؛ تستقطب الأضواء وتصرف الأنظار عمّا هو أهم في حياة العراقيين، وليس هناك مثال أوضح على ذلك من عدم اكتراث الرأي العام لجرائم تصفية المعتقلين في السجون الحكومية سواء بالموت البطيء عبر منهجية التعذيب والإهمال الطبي، أو بأحكام الإعدام التي تصدر وتنفذ بناءً على محاكمات لا تمت إلى النزاهة والمصداقية بصلة، ولا تقترب مجرد اقتراب من متطلبات حقوق الإنسان وقوانينها التي يضج الخطاب الأممي بصخبها وادعائها.
بطبيعة الحال؛ ليس فيما تقدم بجديد على المشهد العراقي، فقد صار من لوازمه أن تحافظ القوى المتحكمة في النظام السياسي – الذي يُنتج حكومات تتعاقب على العبث وتتنافس في احتراف الفساد والفوضى – على بقاء حالة عدم الاستقرار طاغية؛ لأن العملية السياسية في حال الاستقرار والانضباط لا يمكنها الصمود ولن تقوى على البقاء؛ بسبب اعوجاج قالبها فضلاً عن هشاشة أسسها، ولأنها قائمة على غير المنطق، فلا يمكنها الاستمرار إلا وفق سياقات غير منطقية، وذلك أمر يدركه مؤسسوها جيدًا فلا يمكنهم السماح بأن يعيش العراق في واقع يُبنى على غير هذا النمط.
يلازم الطرف الدولي في العملية السياسية التجاهل عن قصد ووفق خارطة طريق ذات مغزى وهدف؛ لما هو حاصل ومُخرج من منهجية شريكه الإقليمي ذي المشروع الطائفي الذي عمل فيه على إحالة تدخله في العراق إلى نفوذ، ثم طوّره ليكون تغولاً يطال جميع مفاصل الحياة ولا سيما في الجوانب السياسية، والاقتصادية، والأمنية، قبل أن ينتهي به المطاف إلى حالة احتلال صريح، تمهد للشروع بخطوات التوسع والتمدد ليس في العراق فقط بل على امتداد المنطقة كلّها.
ومن الأساليب التي عمد الشريك الإيراني إلى استخدامها في العراق؛ التصفية الممنهجة ليس فقط بطريقة الاغتيالات والتفجيرات التي تنفذها ميليشياته؛ بل بطريق “القانون” الفاشي الذي يُراد من خلاله تحصيل “شرعية” تبرر هذا الصنف من الجرائم لا سيّما وأنّه يُساق تحت مسمى “الإرهاب”؛ ذلك المصطلح الذي ما إن يسمع به الشريك الأمريكي حتى يعطي صاحبه كل الأضواء الخضر ليمارس الطغيان الطائفي بمباركة الرأي العام سواء بالانبطاح أمام المزاج الأمريكي في تصنيف “الإرهاب” أو من خلال الإجماع السكوتي وعدم التحرك تجاه السلاسل المتلاحقة بمنهجية لهذا النوع من جرائم العصر والأخذ على أيدي مرتكبيها.
التعذيب الذي يلاقيه المعتقلون في العراق منهج يومي يمارسه الجلادون في السجون المعلنة، وأسلوب يتخذه نظراؤهم من الميليشيات في السجون السرية، وبموازاة ذلك يعيش العراقيون في جميع مناطق البلاد حربًا غير متكافئة بين سلطة فوضوية تقوم على الجريمة والإقصاء وتمتطي دابة الفساد لتستولي على كل ما يُتاح لها من خيرات البلد وعائداته، وبين شعب مكبوت ومكبل لا يقوى على مواجهة آلة الحديد والنار التي تقمعه بها أجهزة الأمن وميليشياته، والهدف في كلا الحالين هو القضاء على أكبر نسبة ممكنة من العراقيين أو تعطيلهم عن ممارسة الحياة، وهو ما يعني إحالة البلاد إلى مستنقع طائفي لا يعكس لبقية الأمم إلا الفساد والتخلف.
التعذيب الذي يمتد لأكثر من خمس عشرة سنة ينتهي بإزهاق حياة المعتقل، والإهمال الطبي المتواصل في السجون يؤول إلى إعاقته وسلب كرامته، والابتزاز الذي تمارسه السلطات وإدارات السجون التي تدين بولائها لأحزاب وميليشيات السلطة؛ يجعل ذوي المعتقلين مترددين بين خيوط آمال موهومة يعللون بها أنفسهم، ثم لا يلبثون حتى يجدونها غارقة في لجج الواقع الأليم.
إن في فداحة الأمر هذا أكثر من مجرد عار يلحق بالرأي العام ويرسخ المسؤولية في ذمته، فما يجري بحق في المعتقلين في العراق كفيل بأن يستجلب لعنة التأريخ على كل من يطالع المشهد ويتعاطى معه، وعلى كل من يحجم عن اتخاذ خطوة عملية في إسقاط نظام العملية السياسية الطائفية، أو يناهضها ويكشف اعوجاجها وفسادها، أو يقاطعها على أقل تقدير فلا يمنحها “شرعية” باطلة، والله غالب على أمره.