|

فلسطين والقدس في أدبيات هيئة علماء المسلمين

إعداد | القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين في العراق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد: فإن هذا الإصدار يُعنى بدراسة موضوع: فلسطين والقدس في أدبيات هيئة علماء المسلمين، من خلال دراسة توثيقية في بيانات الهيئة وتصريحاتها الصحفية؛ لما تحضى به القضية الفلسطينية من اهتمام كبير وعناية فائقة لدى هيئة علماء المسلمين وأمينها العام الراحل الشيخ حارث الضاري (رحمه الله)؛ وفي كون هذه القضية وشجونها هي أحد محاور عمل الهيئة الرئيسة وحركتها داخل العراق وخارجه.

ويأتي هذا الإصدار بعد إصدار سابق عن الموضوع نفسه، صدر عن قسم الثقافة والإعلام في الهيئة في عام (2010م) بعنوان (القضية الفلسطينة في بيانات هيئة علماء المسلمين)، اقتصر في حينها على الحديث عن مضامين بيانات الهيئة المتعلقة بفلسطين، دون إيراد نصوصها كاملة.

وقد تناول القسم السياسي في الهيئة هذا الموضوع مرة أخرى في دراسة أوسع في مضامين هذه البيانات، بعد ازدياد عددها على مدى السنوات الماضية؛ وذلك في بحث علمي شارك به القسم، في أعمال المؤتمر العلمي الأول للهيئة (هيئة علماء المسلمين والشيخ حارث الضاري في ذاكرة الأمة) في (13_14/3/2017م).

وها هو القسم يعود مرة أخرى لبحث هذا الموضوع المهم تحت عنوان (فلسطين والقدس في أدبيات هيئة علماء المسلمين؛ دراسة توثيقية في بيانات الهيئة وتصريحاتها الصحفية)؛ فيزيد على البحث المتقدم ذكره؛ مادة أخرى ويضيف إليه إيرادًا توثيقيًا لكل البيانات والتصريحات الصحفية الصادرة عن فلسطين وهمومها والقدس وأشجانها، حتى نهاية عام (2018م)، وعلى مدى خمس عشرة سنة من عمر الهيئة.

وتناولت هذه البيانات قضايا مختلفة فيما يتعلق: بالشأن الفلسطيني العام والاعتداءات الصهيونية المستمرة على حياة الفلسطينيين ورموزهم الدينية والتأريخية والقيادية، وحملات الاحتلال الصهيوني وهجماته على مدنهم المجاهدة، ولا سيما مدينة القدس والمسجد الأقصى المبارك، والحصار الطويل له، ثم الاعتداءات الغاشمة المتكررة على قطاع غزة، والمجازر الرهيبة التي أحدثتها آلة الموت الصهيونية بسبب ذلك، وأخيرًا موضوع نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعتراف الرئيس الأمريكي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني.

ولا يقتصر اهتمام الهيئة بالقضية الفلسطينية على بياناتها وتصريحاتها الصحفية؛ فقد أخذت هذه القضية حيزًا مهمًا من أدبيات الهيئة ونشاطاتها الأخرى، ومنها: المشاركة الفاعلة في النشاطات المتعلقة بفلسطين من: محافل دولية ومؤتمرات وملتقيات، وعضوية التجمعات والمنظمات والمؤسسات الناشطة في هذا المجال.

فضلًا عن المتابعات الإعلامية في وسائل إعلام الهيئة المختلفة (الصحفية، والإذاعية والتلفزيونية)، ومنصاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن أبرزها المتابعات على صفحات جريدة (البصائر) الصادرة عن قسم الثقافة والإعلام في الهيئة، التي خصصت إدارة تحريرها ركنًا خاصًا لأخبار فلسطين في صفحاتها تحت عنوان (من أرض الإسراء)، منذ انطلاقتها في عام (2003) وحتى توقف النسخة الورقية عن الصدور عام (2012). ومازالت الجريدة -في نسختها الالكترونية- تولي أخبار فلسطين اهتمامها وعنايتها. وهو ما يفعله أيضًا الموقع الالكتروني الرسمي للهيئة (الهيئة نت)، والمنصات المتفرعة عنه أو الساندة له، فضلًا عن قناة الرافدين الفضائية، التي تنال أخبار فلسطين عناية خاصة في نشراتها وتغطياتها وبرامجها، وخصتها القناة ببرنامجٍ أسبوعي بعنوان (من فلسطين).

وقد رُتّبت مادة هذا الإصدار على قسمين، تضمن القسم الأول قراءة في البيانات بحسب أهم قضايا الشأن الفلسطيني، فيما تضمن القسم الثاني سردًا مرتبًا زمنيًا للنصوص الكاملة لبيانات الهيئة المتعلقة بهذا الشأن، ومن ثم التصريحات الصحفية.

سائلين الباري (جل جلاله) أن ينفع بهذا الجهد، وأن يباركه إنه سميع مجيب، وهو ولي الهداية والتوفيق.

لم يقتصر الدور الذي تقوم به هيئة علماء المسلمين على متابعة القضية العراقية ومحاولة إصلاح الخلل الكبير الذي تسبب به الاحتلال وما خلّفه من تداعيات خطيرة على حاضر البلد ومستقبله؛ بل نلحظ اهتمامًا واضحًا من الهيئة ورموزها بقضايا الأمة العربية والإسلامية وما يَعرِض لبعض بلدانها من تطورات ومستجدات؛ نتيجة الضغوط التي تتعرض لها أمتنا. ومن بين تلك البلدان التي نالت اهتمامًا ملحوظًا من قبل الهيئة هو ذلكم البلد الذي يحوي أرض الإسراء والمعراج وفيه المسجد الذي كان قبلة المسلمين الأولى في صلاتهم (فلسطين الحبيبة).

وتعد القضية الفلسطينية أهم قضايا الأمة في العصر الحديث؛ فمنذ أن أصدرت الأمم المتحدة قرارها الظالم في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1947، بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود، واحتلت العصابات الصهيونية بعده كثيرًا من أراضي فلسطين عام (1948م)؛ وقضية فلسطين تشغل بال كل المهتمين والمتابعين وأصحاب العقول والقلوب المخلصة من أبناء المسلمين.

وقد تنوعت اهتمامات الهيئة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وما يحدث على ساحتها من مستجدات بواسطة البيانات التي أصدرتها الهيئة في مناسبات عدة، والمتابعة الحثيثة لكل ما يطرأ على الموقف الفلسطيني من تداعيات، فضلًا عن التصريحات والمواقف والآراء التي كان يطلقها أعضاء الهيئة وفي مقدمتهم الأمين العام الراحل الشيخ الدكتور (حارث الضاري) – رحمه الله – في عدد من المحافل الدولية والمؤتمرات والملتقيات والتجمعات، التي كانت تعقد هنا وهناك لدراسة الشأن الفلسطيني مما كان يدعى له ويشارك فيه.

إن هيئة علماء المسلمين في العراق شرعت منذ زمن مبكر من تأسيسها في (14/4/2003م) في مقارعة العدوان، وتوعية الشعب بالنيات الحقيقية للاحتلال، ومعالجة الخلل الكبير الذي طال مؤسسات الدولة -بما فيها المؤسسات الدينية والمساجد- والعمل على الحيلولة دون وقوع مكونات الشعب العراقي المتنوعة في أتون حرب طائفية أو عرقية أو دينية، ومع كل هذه الأمور المتقدمة، وعِظَم المسؤولية، وحداثة التجربة لم تنسَ الهيئة أنها جزء من أمةٍ لابد أن تدافع عن قضاياها، أو أن تبدي رأيها ونصائحها وتوضح مواقفها من خلال ما يستجد على الساحتين العربية والإسلامية.

وقد نالت فلسطين والقدس القسط الأكبر من بيانات الهيئة ومواقفها غير المتعلقة بالعراق، إلى جانب قضايا أخرى في بلدان عدة، نحو: الصومال وأفغانستان ولبنان والسودان ومصر وسوريا وليبيا واليمن وأفغانستان، وبنغلادش ومسلمي الروهينغا في ماينمار، وتركستان الشرقية، وغيرها.

وإن ما يدعو للغبطة أن يكتشف المتابع أن البيان الثاني من بيانات هيئة علماء المسلمين الصادر بتأريخ (19/جمادى الأولى/1424هـ_20/تموز/2003م) كان متعلقًا بالقضية الفلسطينية؛ بل بأهم مرحلة من مراحل التآمر على تلك القضية، فيما سمي حينها بمشروع (خارطة الطريق)؛ ليحصل بذلك تقاسم في الهموم منقطع النظير، ولتتحد قضايا الأمة في مواجهة غطرسة الاحتلال أينما وجد على أراضي بلداننا مهما بعدت، وليتضح للعالم أجمع أن مشاريع النيل من أمتنا يُخطط لها وتنفذ دون هوادة، من الذين لم يفتأوا في تضييع مصالح بلدانهم، ممن ارتضوا السير في إطار النظام العالمي المرسوم لهم، بعيدًا عن هموم أمتهم وخير أوطانهم.

وتعدى اهتمام الهيئة الواسع بنصرة القضية الفلسطينية؛ إلى المشاركة الفاعلة في المؤتمرات والملتقيات الدولية من لدن الشيخ الدكتور حارث الضاري -رحمه الله- وأعضاء الأمانة العامة، ولعل المتابع يذكر ذلك جيدًا عندما تكلم الشيخ الضاري -رحمه الله- بكل حرارة وألم عن قضية فلسطين في ملتقى القدس الدولي المنعقد في إسطنبول في (تشرين الثاني – نوفمبر) من عام 2007م وسمّاها (القضية الأولى للأمتين العربية والإسلامية)، قائلًا عنها: ((إنه مهما عظمت القضايا الأخرى، والرزايا النازلة بالأمة، ومهما بلغت، ومهما ترتب عليها من انكسارات في صفوف الأمة؛ فإنها تأتي في المرحلة التالية لقضية فلسطين والقدس)).

وقال أيضًا: ((القدس في قلوبنا، والقدس في جوارحنا، ولقد قدّم العراقيون جميعًا من أجل القدس وفلسطين الكثير، وهو مع ذلك دون ما كنّا نتمنى، ونحن نؤمن بأن القدس وبغداد وجهان لعملة واحدة؛ وهي الأمة العربية والإسلامية، فوجود بغداد يعني القدس، وتحرير القدس يعني تحرير بغداد، وما ألمَّ ببغداد – ونحن نشرُف بهذا – إلا بسبب القدس، ومن شك في ذلك فلينظر إلى من يحتل القدس وفلسطين: هم الصهاينة وأمريكا؛ في دفعها، وتأييدها، وتمويلها، وتزويدها بالسلاح، والخبرات للكيان الصهيوني الغاصب، والمحتل للعراق هما أمريكا وإسرائيل.. فهناك جيش إسرائيلي مع الجيش الأمريكي، وهناك خبراء إسرائيليون مع الخبراء الأمريكيين، وهناك مخابرات إسرائيلية مع المخابرات الأمريكية)).

وأكد الشيخ الدكتور حارث الضاري في مناسبة أخرى على أن قضية القدس ما تزال حية، وأن المسلمين جميعًا عرب وغيرهم متمسكون بالقدس أكثر من أي وقت مضى، وأن على الاحتلال أن يفكر بهذا قبل أي خطوة يخطوها نحو القدس وفي هذا رسالة أيضًا إلى أن الأمة لديها القدرة على أن تتوحد؛ ففي كلمته التي ألقاها في المؤتمر القومي العربي التاسع عشر الذي عقد في العاصمة اليمنية (صنعاء) في (11/5/2008م)؛ أكّد الشيخ الضاري على: أنه مهما كان موضوع العراق مهمًا وضروريًا إلا أن أهمية هذا الموضوع لا تغلب على أهمية فلسطين وقضيتها وحصار غزة. قائلا: ((بالنسبة إلينا في العراق فإن قضية فلسطين هي قضيتنا الأولى قولًا وفعلًا، ولن تلهينا الأحداث الجسام التي مرت وتمر وقد تستمر إلى فترة في العراق عن قضية فلسطين؛ لإيماننا أن القضيتين وجهان لعملة واحدة)) .

ونشط أعضاء الهيئة وأنصارها في دعم قضية فلسطين وحقوق شعبها، الذي يتعرض إلى المذابح والمجازر والاعتداءات السافرة منذ ما يزيد على ستين عامًا من الاحتلال البغيض، فحق عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه حق ثابت عند الهيئة -كما هو حق ثابت عند أهل فلسطين- وشاركت الهيئة مشاركة فاعلة -على سبيل المثال- في (مؤتمر حق العودة) الدولي الذي عقد في العاصمة السورية (دمشق) بتأريخ (23/11/2008م).

ويوم أن طال العدوان الصهيوني الهمجي أرض غزة الصامدة في (2008م) انتفضت الهيئة بكل إمكانياتها الإعلامية والسياسية، وقامت بدورها في توعية أبناء الشعب العراقي للوقوف صفًا واحدًا إلى جانب إخوتهم في غزة ودعم صمودهم تجاه الحملة الشرسة التي طالت الأبرياء من أبناء هذا البلد، وأخذ الأئمة والخطباء على عاتقهم القيام بهذه المهمة النبيلة، فضلًا عن تنظيم المظاهرات التي ساهمت فيها فروع الهيئة في داخل العراق ومكاتبه في الخارج، وتنظيم حملة لجمع التبرعات إسهامًا منها في نصرة قضية الأمة الأولى.

ولم يفتأ أعضاء الهيئة عن المشاركة في عدد كبير من المؤتمرات الدولية التي تدعم القضية الفلسطينية وتدرس جوانبها المختلفة في ظل التطورات التي تحصل على الساحة نتيجة العدوان المستمر الذي يمارسه الكيان الصهيوني، ومن ذلك: مؤتمر مؤسسة القدس الرابع، في صنعاء (4_6/12/2005)، وملتقى علماء المسلمين لنصرة شعب فلسطين، في الدوحة (10_11/5/2006)، ومؤتمر مؤسسة القدس الخامس، في الجزائر (26_28/3/2007)، وملتقى القدس الدولي، في اسطنبول (15_17/11/2007)، ومؤتمر (غزة النصر) في اسطنبول (12_14/2/2009)، ومهرجان (إحك يا أقصى) في الدوحة (15/5/2009)، ومؤتمر (القدس هوية الأمة) في ماليزيا (26_28/1/2018م) ومؤتمر (برلمانيون لأجل القدس) في اسطنبول (12/2018م)، وغيرها كثير.

Similar Posts