المسلمون بين استعلاء القرآن وجبهة التدافع
بقلم : جهاد بشير
يمضي الغرب بأنظمته ومؤسساته السياسية وأنماطه المجتمعية على ما جُبل عليه من طغيان واستعلاء، وغلو وتطرف، وعداء مفرط للإسلام؛ فيحاول بين حين وآخر تأجيج الأزمات تجاه الأمة الإسلامية وبين ظهراني أبنائها؛ بفتح جبهات جديدة من العداء لا مقصد منها سوى إذلال المسلمين والتمادي في إهانتهم.
وعلى الرغم من أن الأمّة تمر اليوم بواحدة من أكثر مراحلها انحطاطًا ووهنًا؛ فإن هويتها المسلمة ذات العقيدة الفذة والشريعة المعتبرة الصانعة للحياة والمحافظة عليها؛ ما تزال تمثل الخطر الأكبر إن لم يكن الأوحد على يريده الغربيون من استيلاء تام واستحواذ لا فكاك منه على كل شيء يدب على هذه الأرض، لأن الإسلام بوصفه نظام الحياة الشامل الذي ارتضاه الله تعالى للناس دينًا، وجعله متتمًا لنعمته على المسلمين؛ ليكون القائد لهم إلى عمارة الأرض وخلافتها؛ هو الجدار المنيع الذي يحول دون أن تتولى دوائر القرار السياسي الغربية التحكم في مصائر الناس وتحديد أنماط حياتهم، بغض النظر عن غفلة سواد كبير من أبناء الأمة عن هذه الخصلة الفريدة التي يحظى بها دينهم الحنيف.
والقرآن الكريم بيّن للمسلمين خاصة وللناس عامة أن منهج الغرب المعادي للقيم والساعي لإفشاء الفساد والاستعباد؛ جبهة من سنة التدافع التي تقتضي بطبيعة الحال مواجهة مباشرة وتعاملاً مع مجرياتها بصواب ورشد لا ينقصه الحزم، وتعاطٍ مع الابتلاءات التي تتضمنها بحسن وصبر لا يعتريه خَور؛ ليرتفع الحق ويزول الباطل؛ فتستقيم الحياة، وترشد المجتمعات ويسمو الإنسان بإنسانيته: {إِنَّ فِرعونَ عَلَا في الأرضِ وَجَعَلَ أهلَهَا شِیَعًا یَستَضعِفُ طائفَةً مِنهُم يُذبّحُ أَبنَاءَهُم وَیَسۡتَحیِۦ نِسَاءَهُم إنَّهُ كَانَ مِنَ المُفسِدِينَ} [القصص:4]، وفي الجانب الآخر من هذه الجبهة ثبّت القرآن الكريم ما يريده الله تعالى من حصيلة هذه المواجهة: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5-6].
والسؤال الذي ينبغي على أبناء الأمة أن يطرحوه على أنفسهم ثم يبحثوا بجدية عن الجواب: لماذا وثّق القرآن الكريم هذه الجبهة لتبقى معالمها ومقاصدها ودلالاتها خالدة إلى يوم القيامة تُتلى وتُتدبر وتدخل في حيز واجبات المسلمين في الحياة، في الوقت الذي كان بنو إسرائيل – وما زالوا – الأنموذج الأكثر سوءًا من بين أهل الباطل الذين فضحهم القرآن الكريم في مواطن كثيرة ومواقف ملآى بالكفر، والعصيان، والعدوان، والفرقة، والدونية، وملازمة مرابض القاع ومستنقعات المنكر الآسنة؟
إن المغزى الرئيس من هذا السؤال واضح في الدلالة والمقصد؛ وهي أن الله تعالى أراد لبني إسرائيل – وهم يرزحون تحت طغيان فرعون وجنده- الخلاص ثم الارتقاء، ثم التمكين والاستخلاف، فلمّا هيأ لهم أسباب ذلك؛ نكسوا على رؤوسهم، وأشغلتهم الدنيا فنبذوا دين الله واتبعوا الهوى واتخذوه إلهًا، وقعدوا عن الجهاد لما حانت ساعته، فضيعوا منحة الله لهم واستنكفوا عن أن يكونوا من أصحاب التمكين، ولأن سنّة التدافع لا تنتظر أحدًا؛ اندحر بنو إسرائيل مرة أخرى وسقطوا في الذل وهم يتسابقون أيهم يصل القاع قبل صاحبه، فكان جزاؤهم ومصيرهم خسرانًا وخذلانًا في الدنيا وجزاءً وفاقًا في الآخرة.
هكذا بقي مشهد بني إسرائيل حاضرًا في القرآن الكريم لتكون أمّة المسلمين على بيّنة من أمرها وهي تقاتل على جبهات سنة التدافع، ولبيان ما يريده الله تبارك وتعالى من أمة هي خير من أمة بني إسرائيل بل خير الأمم التي أخرجت للناس، وحظيت بنعمة لا تقارن مكانتها السامية وقيمتها الشريفة بما أنعمه الله على بني إسرائيل؛ فإذا كان أولئك قد أنعم الله عليهم بالخلاص المؤقت من فرعون وهيأ لهم أسباب تمكين محدود؛ فإن أمة الإسلام حباها الله بنعمة الدين التي لو منحت للسابقين لاتخذوا يوم منحهم إياها عيدًا، وشرفها بأهلية الاستخلاف في الأرض كلها إلى يوم القيامة، فإذا كان مصير بني إسرائيل ذوي النعمة المحدودة هكذا لما انحرفوا عن السبيل وتنكبوا الصراط المستقيم، فكيف إذا حذت أمتنا حذوهم في العصيان والصدود وهي ذات النعم الأكبر والمكانة الأسمى والأشرف؟ لا شك بأن العقوبة أشد، ومآلاتها أقسى وأعقد، وفي قول نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ إنذار صريح في هذا الشأن: (كلا، والله لَتأمُرُنّ بالمعروف، ولَتَنهَوُنّ عن المنكر، ولتَأخُذُنّ على يدِ الظّالم، ولَتَأطرُنّهُ على الحق أطرًا، ولَتَقصُرُنّهُ على الحَق قَصرًا، أو لَيَضرِبَنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليَلعَنكُم كما لَعنَهُم).
إن إقدام متطرف نكرة تريد أنظمة الغرب أن تجعل له شأنًا على حرق نسخة مترجمة من المصحف الشريف، ثم قيام ناعق آخر يشبهه في التنكير بتمزيق نسخة أخرى في غضون بضعة أيّام؛ إنما هي حملة مدروسة وأفعال مقصودة تعكس غيظًا في صدور القوم وحقدًا مستشريًا في نفوسهم، وهم ينظرون إلى ما يحظى به الإسلام من قبول وانتشار بين ظهرانيهم، ويرصدون كيف أن مخططاتهم وكل ما يحاربون به هذه الأمة من احتلالات ومشاريع وحروب ميدانية وأخرى باردة، وغزو فكري ودمار أخلاقي وثقافي وغير ذلك الكثير، لم يستطع أن يورد هذه الأمة مهاوي الردى رغم كل ما بها من ضعف وهوان؛ حيث تبقى مكامن القوة فيها مهيأة لبعث جيل جديد ذي صحوة ينتشل الإنسانية بها من الضياع الذي يلفها.
هذه الجرائم من منظورنا نحن المسلمين يجب أن تكون حافزًا لنا للنجاة مما سقط به بنو إسرائيل، فهي في أصلها إعلان الحرب على الله وعلى دينه، وواجبنا من جميع أنواع: الكفاية، والعين، والوقت؛ أن نصد هذا العدوان بما يناظره، فهو ليس عدوانًا لفظيًا حتى يُكتفى بالأقوال والخطب، بل هو عدوان عملي يلزمه فعل وتصرف، ثم إن في معطياتها – أي: جرائم إهانة القرآن الكريم – إشارات تأتي بها سنّة التدافع بين حين وآخر لتنبهنا إلى أن الجبهة ما تزال قائمة وأن المشهد يقتضي واجبات، ويحذر من مآلات، وهذه بحد ذاتها منحنة لا ينبغي للأمة أن تتجاهلها؛ فإن تكرار هذه الأفعال وإن كان يعني أن العدو مستعلٍ، وأن خصمه مستكين لا يقوى على الرد، فإن سنّة التدافع وإشاراتها ما انفكت تذكرنا بأننا أمّة من المفترض أن تستعلي على الدنيا كلها لامتلاكها دستورًا ربانيًا نص في محكمه على: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، وعلى: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، والله غالب على أمره.