قوّات الاحتلال وحكومة الأنماط الثلاثة
بقلم : جهاد بشير
بمجرد أن نشرت الصحيفة الدولية الأمريكية (وول ستريت جورنال) مقابلة مع رئيس حكومة الاحتلال التاسعة في بغداد أعرب فيها عن رغبته ببقاء قوّات الاحتلال الأمريكية في العراق إلى أجل غير مسمى بذريعة محاربة “الإرهاب”؛ سارع “بريت ماكغورك” منسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في التوجه إلى أربيل ثم بغداد للمباشرة في عقد سلسلة اتصالات واجتماعات وصفتها المصادر الصحفية بـ”المغلقة” مع من أسمتهم “المسؤولين العراقيين”.
مجيئ المسؤول الأمريكي المستعجل ظاهرًا والمخطط له سلفًا؛ بالتزامن مع إعلان حكومة بغداد بصراحة رغبتها في الإبقاء على قوّات الاحتلال، يضع المشهد العراقي أمام احتمالين، كلاهما يصب في صالح الولايات المتحدة ويخدم إيران بوصفهما شريكين على ميدان يحدد استمرارُ العملية السياسية فيه أنماطَ مصالحهما وأحجامها وكميتها. أحد هذين الاحتمالين: أن “الإطار التنسيقي” بأحزابه وميليشياته والذي شكّل هذه الحكومة بعد موجة من الفوضى والصراعات مع الشركاء؛ هو الراغب ببقاء قوّات الاحتلال الأمريكية ومن يشاركها من قوّات التحالف الدولي؛ لأنه ابتداءً لا يقوى على الاستمرار في تحقيق مطامح الإيرانيين بمعزل عن الأمريكيين فهو العامل في إطارهم والمتحرك في فلكهم، وكل مسارات العملية السياسية والحكومات التي نتجت عنها إنما هي محددة بالرؤية الأمريكية المتخادمة مع الرغبة الإيرانية، لذلك كان الوضع وما يزال يشير بوضوح بأنه لا عداء على الوجه الحقيقي بين ميليشيات إيران والقوّات الأمريكية في الساحة العراقية، لا سيما وأن الطرفين اتحدا وتعاونا في العمليات العسكرية التي طالت محافظات نينوى والأنبار صلاح الدين وغيرها من مناطق العراق قبل عدة سنوات، بحيث لم يكن لميليشيات “الحشد” أو لأي من قطعات القوّات الحكومية مقدرة على الحركة دون توفير غطاء جوي أمريكي أو دولي آنذاك، وما يزال الوضع الأمني غير بعيد عن هذه الشاكلة في الفعاليات الأمنية والعمليات العسكرية التي تتجدد أسبوعيًا في الأنبار وصلاح الدين وأحزمة بغداد.
والأمر لا يقتصر على هذا التوصيف؛ فبعد انقضاء ما يزيد عن ست سنوات على إعلان تحقيق ما تسميه الأوساط الحكومية “النصر على الإرهاب” – في 10 حزيران/يونيو 2017م – ما تزال شمّاعة “الإرهاب” حاضرة في تبرير العمليات العسكرية آنفة الذكر، مما يعني أن ذريعة بقاء القوّات الأمريكية لتكون داعمة لوجستيًا وميدانيًا حاضرة أيضًا، وهو ما كشف عنه تصريح “السوداني” للصحيفة الأمريكية التي قال لها بالحرف الواحد: “نعتقد أننا بحاجة إلى القوات الأجنبية (…) القضاء على الإرهاب يحتاج إلى مزيد من الوقت”؛ وفقًا لما نشرته “وول ستريت” في الخامس عشر من كانون الثاني/يناير الجاري.
الحقيقة؛ أن تولي قوى “الإطار التنسيقي” تشكيل حكومة الاحتلال التاسعة رغم عدم مزاعم “أحقيته” بذلك لأنه خرج من الانتخابات خاسرًا؛ كشف عن فضيحة سياسية وأمنية في الساحة العراقية، حيث تلاشت عمليات استهداف القواعد الأمريكية الصورية التي كان المشهد العراقي يضج بها قبل أن تحسم الأمور لصالح “الإطار”، ورغم أن هذه الاستهدافات لم تكن تؤثر بشيء على القوّات الأمريكية، فإن إدارة البيت الأبيض كانت مرتاحة لها ولا تتعامل معها بالحزم الذي يرجوه من يصدق بسذاجة وجود عداء أمريكي – إيراني، مما يعني أن التفاهمات الأمريكية – الإطارية جارية على الوجه الذي يرتضيه الطرفان، وما التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الاحتلال التاسعة إلا مجرد عتبة أمام باب المرحلة الجديدة.
والاحتمال الآخر: أن “السوداني” نفسه وهو يواجه تيارات قويّة تُحرك حكومته وتفرض عليه تعاليم إدارة العملية السياسية، يريد أن يكون شخصًا ثلاثي الأنماط في هذه المرحلة؛ من حيث تبعيته لـ”الإطار”، وولائه لطهران، ورضوخه لواشنطن؛ إذ سبق أن كشفت مصادر من “البيت الشيعي” عن وجود مطالب واختلافات مصلحية لدى قوى “الإطار التنسيقي” تفوق قدرة “السوداني” حيث يرغب كل طرف في “الإطار” بتحقيق مكاسب على حساب الطرف الآخر، وقد سلّطت زاوية البصائر في الأسبوع الماضي الضوء على ذلك في الرؤية المعنونة بـ”سطوة “الإطار” ومأزق حكومة الواجهة”، وعلى ما يبدو فإن “السوداني” يحاول أن يتجاوز تبعات هذا المأزق من خلال ركوب موجة أمر واقع ومفروض على المشهد يتعلق ببقاء القوّات الأمريكية في مواقعها مستعينًا بما ضبطت “اتفاقية الإذعان ” إيقاعه منذ سنوات خلت.
يسعى “السوداني” – وفق هذا الاحتمال – إلى مدافعة ضغوطات “الإطار” عليه بالاستعانة الصريحة بقوات الاحتلال الأمريكية، وهو بلا شك أخذ ضمانًا من الخط الإيراني المكلف بتوجيهه من أجل ذلك، وغاية الموضوع كلّه من وجهة نظر واشنطن وطهران؛ هو بقاء حالة من الشد والجذب سواء في داخل المنظومة الإطارية أو بين “الإطار” من جهة وشركائه الآخرين ولا سيما “التيار الصدري” من جهة أخرى؛ لأن ذلك كلّه مظنة توليد المزيد من الفوضى والاضطرابات التي يطلبها الطرفان – الأمريكي والإيراني – بشدة لتكون سمة دائمة في العملية السياسية، لأنها مصدر المصالح ومثابة التخادم، والله غالب على أمره.