|

حكومة بغداد.. و(ولاية الإطار)

بقلم : جهاد بشير

سلك رئيس حكومة الاحتلال التاسعة في بغداد خطى أسلافه في محاولة اقتناص بقعة ضوء للمزايدة بها والترويج لبرنامجه الحكومي الذي لا يفرق كثيرًا عمّن سبقه إلا ببضعة حركات ذات أصوات عالية تحاول ميليشيات وأحزاب (الإطار التنسيقي) إبرازها لتحقيق مقاصد سياسية وأهداف ذات مصالح داخلية وخارجية.

ومثلما عمد رؤساء الحكومات الماضية إلى زيارة مستشفيات في بغداد بحجة الاطلاع على الواقع الصحي فيها، كرّر السوداني هذه الفعلة وهو يحسب أنه يوصل رسالة إصلاحية من شأنها التبشير بتحسين قطاع الصحة الذي نخر الفساد فيه جميع جوانبه وبات من أكثر القطاعات الحكومية في العراق وضاعة، في الوقت الذي يظن أن العراقيين ينسون سابقيه ممن ما كان أحدهم لا يكاد يُنهي فصل مسرحية زيارته ومتعلقاتها حتى يأخذ الجانب الصحي في البلاد منزلقًا جديدًا نحو التدهور بأكثر من أي وقت سبق.

ومثلما أجرى رؤساء حكومات سابقة زيارات إقليمية في المنطقة وصرّحوا بعبارة (استعادة الأموال المسروقة) كرر السوداني ذلك، وهو يعلن عن جدول لزياراته الخارجية التي تستغرق أيّامًا يريد من خلالها مفاتحة أنظمة عربية وغربية لإعادة من أسماهم (المطلوبين) كما يقول، واسترداد الأموال كما يدّعي، مستخفًا بعقول العراقيين الذين يدركون أكثر من غيرهم أن هذه الأموال التي يكثر الحديث عنها؛ هرّبها قادة (الإطار التنسيقي) من قبل!

ولعل من الأمور الأكثر سخرية في المشهد السياسي في العراق، ما صدر عن زعيم ميليشيا (العصائب) إحدى مكونات (الإطار) من تصريحات يحسبها سياسية وهي أبعد ما تكون عن ذلك، وأقرب إلى وصاية وولاية على الحكومة بطريقة فظة وهو يُعلن أن ما أسماها (الالتزامات) التي يقول بها رئيس الوزراء حصلت في الجلسة التي أجمع فيها (الإطار التنسيقي) على ترشيحه، وأن على رئيس الوزراء عدم الانفراد بقرار الدولة والرجوع إلى (الإطار) ليكون جزءًا منه ومن اتخاذه.

زعيم ميليشيا (العصائب) كان صريحًا في رسالته التي حملت مضمونًا بشأن طريقة تعاطي حكومة الاحتلال التاسعة مع نمط إدارة الحكم في العراق، الذي يعد أكثر خطورة من حال الحكومات التي سبقت، فهو يعلن بكل صراحة أن (ولاية الإطار) هي الحكومة، وأن رئيس الوزراء مجرد واجهة تقتضيها العملية السياسية، ولمّا كان الأمر كذلك؛ فإن حكومة بغداد تدار وفق تسلسل مرحلي من طهران، وأن قوى (الإطار) وغيرها تعمل على تحويل هذه الإدارة من الوكلاء إلى الأصلاء، وهذا يفسر جانبًا من أسباب الزيارات المتكررة لمسؤولين في نظام طهران يعلن عن بعضها ويُعمّى عن غالبيتها، ولا سيّما قائد فيلق القدس في الحرس الثوري (إسماعيل قاآني) الذي تجاوزت زياراته الحد المعقول لمسؤول عسكري من المفترض أن يكون منشغلاً في بلاده لمواجهة موجات الاحتجاجات الكبرى التي تجتاح مساحات واسعة من إيران.

ولأول مرّة في سلسلة حكومات الاحتلال، تتبجح إيران بهذا الشكل المعلن والصريح وهي تستهدف مناطق في أربيل والسليمانية بشمالي العراق بقصف مدفعي وجوّي بواسطة الطائرات المسيّرة، وتهدد باجتياح عسكري عبر الحدود، في الوقت الذي تعكف طهران على إنشاء منافذ حدودية جديدة في محافظة ديالى ظاهرها تمرير بضائع إضافية وباطنها تهريب المخدرات والمنتجات غير المطابقة لمواصفات الاستيراد، والأكثر من ذلك ما تشير إليه تكهنات وتحليلات إلى تمرير أسلحة وصواريخ وربما قطعات عسكرية، وكل ذلك دون علم حكومة بغداد كما أقر بذلك غير واحد ممن يوصفون بالمصادر المطلعة، فضلاً عن سقوط محافظات جنوبي العراق في مزيد الفوضى المجتمعية والأمنية من جراء تفشي ظواهر تعاطي المخدرات المهربة من إيران، وتغلغل أعداد كبيرة من الإيرانيين هناك ممن يدخلون دون تأشيرات، أو ممن يسمح لهم بالدخول (الرسمي) بذريعة الزيارة الدينية ولا يخرجون بعد ذلك.

حكومة (الإطار التنسيقي) ما تزال في خطواتها الأولى التي تظهر معالم أهدافها، وهي إحالة العراق كلّه إلى مسرح إيراني بعدما تحوّل نفوذ طهران وتغولها فيه إلى احتلال صريح بجانب الاحتلال الأمريكي الذي يبدو أنه مطمئن لذلك في سياق موازنات مدروسة من جانب واشنطن فهي تستطيع أن تتحكم برتم الحراك الإيراني داخل العراق من خلال استثمار الاحتجاجات والمظاهرات القويّة التي تشهدها محافظات ومدن إيرانية على نطاق واسع، فضلاً عن المماحكات المستمرة بشأن الملف النووي، وكأن سياسة التخادم بين الطرفين القائمة على تنافسية ومصالح، أخذت طورًا جديدًا من حيث مواقع مساحات النفوذ وطبيعة أوراق اللعب التي يهدد بها كل طرف صاحبه أو يحسب أنه يفعل ذلك، وهذا دأب الشركاء المتشاكسين الذين تجمعهم المصالح وتفرّقهم المكاسب، في وقت بات العراقيون ثمنًا لصراع لا صلة لهم به، والله غالب على أمره.

Similar Posts