مفردات العربية بين الاستعمال اللغوي والعرفي
بقلم : د. عمر مكي
مما يرد في لغة العرب تخصيص العرف في علم معاني مفرداتها فترد بين أصل استعمالها اللغوي الثابت وبين تخصيص العرف لها المتأخر عن أصل الوضع، وقد تنبه إلى ذلك علماؤنا من اللغويين والنحويين والمفسرين والأصولیین والفقهاء بل أدرج الأصوليون قاعدة فقهية تنص على هذه البينية بين أصل اللغة والعرف، ومن القواعد في ذلك قولهم: “الثابت بالعرف كالثابت بالنص”(1) ، وقال ابن قدامة المقدسي: “الكلام المطلق يحمل على الأسماء العرفية دون اللغوية”(2) ، وقال البهوتي في تقديم العرف الاستعمالي على الوضع اللغوي وإن كان معتادًا مخالفًا لأصل اللغة،(3) وقال جلال الدين السيوطي وفرع على ذلك مسألة فقهية: “فيقدم عليه عرف الاستعمال، فلو حلف لا يأ کل لحمًا لم يحنث بالسمك، وإن سماه الله لحمًا “(4)(5) .
وقال ابن عابدین: “إذا تعارض الوضع الأصلي والوضع العرفي ترجح الوضع العرفي”(6) .
وبعدما تقدم في بيان الدلالة بين استعمالين أحدهما لغوي وآخر عرفي يظهر لنا، أهمية إدراك المعنى المراد بين اللغة والعرف وسأذكر من الأمثلة اللغوية التي صارت بين هذين المدلولين:
الدابة في أصل اللغة هي اسم لكل ما يدب على الأرض مما يعقل ولا يعقل هي في الأصل صفة غلبت عليها الاسمية، قال ابن فارس: “وكل ما دب على الأرض فهو دابة”(7) ، وأصل ذلك ” هو حركة على الأرض أخف من المشي”(
، وقال ابن دريد في اشتقاق دبَّاب هو: “فعَّال من قولهم دبَّ یَدِبُّ دبيبًا وهو تقارب الخطو وكل ما دب على الأرض من ماش فهو دابة الباء مثقلة والأصل داببة في وزن فاعلة”(9)
وقال الراغب: “والدابة يستعمل في كل حيوان وإن اختصت في التعارف بالفَرَس”(10) ، وقال الإمام الرازي في التمثيل لبيان أصل الوضع مع اختلاف العرف: ” کالدابة فإنها مختصة في العرف بالفَرَس، وإن كانت في أصل الوضع متناولة لكل ما يدب على الأرض”(11) ، وبنحوه قال الآلوسي في تفسير قوله تعال: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) [هود: ٦]، “الدابة اسم لكل حيوان ذي روح ذكرًا كان أو أنثى عاقلًا أو غیره، مأخوذ من الدبيب وهو في الأصل المشي الخفيف، ومنه قوله:
زعمتني شيخًا ولست بشيخٍ إنما الشيخ من يَدِبُّ دبیبًا “(12)
ومن الأمثلة القرآنية في مجيء إطلاق (دابة) على العاقل وغير العاقل يأتي:
1- قوله تعالى: (فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّة) [البقرة: ١٦٤].
2- وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) [الأنعام: ٣٨].
۳- وقوله تعالى: (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) [هود: ٥٦].
٤- وقوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون) [النحل: ٤٩].
5 – وقوله أيضًا: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ) [النحل: ٦١].
6- وقوله: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ) [النور: ٤٥].
ثانيًا: كلمة “الطرب”
ومن أمثلة تخصص العرف اللغوي على أصل اللغة كلية الطرب فهي تقال وتطلق على الأفراح والأتراح، قال ابن قتيبة الدينوري: “الطرب يذهب الناس إلى أنه في الفرح دون الجزع وليس كذلك، إنما الطرب خفة تصيب الرجل لشدة السرور، أو لشدة الجزع، قال الشاعر، وهو النابغة الجعدي(13) :
و أُراني طَرِبًا في إثرهم طَرَبَ الواله أو كالمُختَبلْ
وقال آخر:
يَقُلن لقد بكيت فقلت كلا وهل يبكي من الطَّربِ الجليدُ”(14)
وقال أبوبكر بن الأنباري في معني قول الناس: قد طرب الرجل: د مضاه قد خفَّ لشدة فرح لحقه أو حزن والعامة تظن أن الطرب لا يكون إلا مع الفرح وهو خطأ منهم”(15) .
ثالثًا: كلمة “المأتم”
ومن الكلمات التي يتجاذبها العرف وأصل اللغة في مدلولها كلمة المأتم فهي أصل اللغة الاجتماع في الأفراح أو الأحزان، قال أبو بكر الأنباري: “معنى المأتم في كلام العرب النساء المجتمعات في فرح أو حزن وقال الطوسي(16) : يقال للرجال أيضًا إذا اجتمعوا في فرح أو حزن مأتم، والعامة تغلط في هذا فتظن أن المأتم النوح والنياحة وليس هو هكذا.”(17) تم ذكر شواهد شعرية من كلام العرب في بيان ذلك (18)، وقال الحريري في تفسير المأتم: “يتوهم أكثر الخاصة أنها مجمع المناحة وهي عند العرب النساء يجتمعن في الخير والشر”(19) .
رابعًا: “البشرى” أو “البشارة”
ومن الكلمات التي خصها العرف الاستعمالي من أصلها اللغوي الدلالي كلمة البشارة فهي في أصل اللغة تستعمل للخبر المُغيِّر للبشرة من خير أو شر، ثم خصها العرف الاستعمالي بالخبر السار قال أبو منصور الأزهري: ” ما بُشِّرت به والبشير الذي يبشر القوم بأمر خير أو شر والبشارة حق ما يعطى من ذلك والبشرى الاسم”(20) واستعملت في القرآن الكريم بهذين المدلولين فقال تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [يونس: ٦٤]، وقوله: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى) [العنكبوت: ٣١]، وقوله: (يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ) [يوسف: ١٩]، وقال: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيم) [التوبة: ٣]، وقوله: (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)[النساء: ١٣٨]، وقوله:(وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) [آل عمران: ٢١]، وقال أبو نصر الجوهري: “والبشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة به كقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) [آل عمران: ٢١]”(21) .
وقال ابن عرفة: “سميت البشارة بشارة لأنها تبين في بشرة من بشر به”(22) ، ومنه قوله تعالى:(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) [النحل: ٥٨]، وقوله:( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) [الزخرف: ١٧]، وقال أبو القاسم الحريري:
“وعند أكثرهم أن لفظة بشرته لا تستعمل إلا في الإخبار بالخير ولیس کذلك بل قد تستعمل في الإخبار بالشر كما قال سبحانه:(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) [آل عمران: ٢١]، والعلة فيه أن البشارة إنما سميت بذلك لاستبانة تأثير خبرها في بشرة المبشر بها، وقد تتغير البشرة للمساءة بالمكروه كما تتغير عند المسرة بالمحبوب إلا أنها إذا أطلق لفظها وقع على الخير”(23) .
وقال أبو حفص عمر بن محمد النسفي: “وقد يقع البشارة على الخير المحزن لما أنه يؤثر في البشرة أيضًا بالحزن، قال الله تعالى:(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم) [التوبة: ٣٤]،(24) وقال أبو منصور الجوالیقي: “البشارة تكون مطلقة في الخير فإذا كانت في الشر قرنت به”(25) وقال نشوان الحمیري: “وقد تستعمل البشارة في الإخبار بالشر والأغلب عليها الإخبار بالخير”(26)
خامسًا: كلمة “الولد”
ومما خصها العرف عن الأصل للوضع اللغوي كلمة الولد إذ تطلق على الذكر والأنثى بدلیل آية المواريث في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: ١١]، فقد خصها العرف الاستعمالي بالذکور دون الإناث
سادسًا: كلمة “الثواب”
من الكلمات التي أنالها العرف الاستعمالي مدلولًا خاصًا متجاوزًا بذلك أصل الوضع لهذه الكلمة كلمة الثواب إذ هي تقال لكل ما يجازى عليه العبد من خير وشر ولكن العرف الاستعمالي قد خصها بمجازاة الخير دون الشر، قال الراغب:
“والثواب يقال في الخير والشر ولكن الأكثر المتعارف في الخير”(27) .
وعليه ورد قوله تعالى في …، فقال -جل وعلا -: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين)[آل عمران: ١٤٨]، وقال أيضًا: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ)[المائدة: ٦٠]
خاتمة
ويظهر مما تقدم أن الاشتراك الجزئي في بعض المفاهيم بين العرف وأصل اللغة ينبغي تحريره وضبطه لما يترتب عليه من آثار فقهية ودلالية في فهم لغة الخطاب إذ حمل المعنى المقصود الذي يتردد بين مدلولين ينبغي مراعاته فهمًا وإعطاء كل ذي دلالة دلالته فمقتضى الخطاب بين أهل الشرع يحكم له به، والعرف العام يحكم له به بين عام أهله والعرف الخاص يحصل بين خاص أهله فمن حلف مثلًا على ألا يجلس في ضوء سراج لا يحنث إذا جلس في ضوء الشمس، وإن كان الله تعالى قد سمى الشمس سراجًا(28) .
وعليه فيعتد بالعرف الاستعمالي إذا انتشر واستعمله أهل بلد معین وشاع بينهم ويقدم على أصل مدلوله اللغوي ولاسيما في صيغ العقود والالتزامات والوقف والأيمان والنذور والديون ونحوها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
– درر الحكام في شرح مجلة الأحكام: 1/51.
2- المغني لابن قدامة؛ 7/78.
3- ينظر: كشاف القناع: 6/٣٠٤.
4- وذلك في قوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّاﱠ) [النحل: ١٤]،، وقوله: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ۖ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّاﱠ) [فاطر: ١٢].
5- الأشباه والنظائر: ۹۳.
6- مجموعة رسائل ابن عابدین: 1/٣٠٤.
7- ينظر: معجم مقاييس اللغة:٣٣١، وتاج العروس 34/٢٤٦.
د الحيالي, [٢٩/١٠/٢٠٢٢ ٠٩:٤٧ ص]
8- معجم مقاييس اللغة: ۳۳۱.
9- الاشتقاق: 97 – 98.
10- مفردات ألفاظ القرآن: ٢٥٣.
11- تفسير الرازي: 2/٢٥٩.
12- قال العيني: قائله هو أمية الحنفي واسمه أوس وهو من قصيدة بائية وقوله: (من يدب) أراد من يدرج في المشي رويدًا، ينظر الشاهد الثاني والثلاثون بعد الثلاثمائة من كتاب شرح الشواهد الكبرى المسمى المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية لبدر الدين العيني: 2/٨٣٢.
13- ينظر: ديوان النابغة الجعدي: 119.
14- أدب الكاتب: ٢٤ -٢٥.
15- الزاهر في معاني كلمات الناس: 1/١٦٥.
16- هر أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان من رواة ابن الأعرابي وينظر: الفهرست: ۱۲، و معجم الأدباء: 13/٢٦٨، والأنباه: 2/٢٨٠.
17- الزاهر في معاني كلمات الناس: 1/١٦٣.
18- ينظر: المصدر نفسه: 1/١٦٣ – ١٦٤.
19- درة الغواص في أوهام الخواص: ١٦٨ – ١٦٩.
20- تهذيب اللغة: 11/٢٤٦.
21- الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية: 2/590 – 591.
22- کتاب الغريبين في القرآن والحديث لأبي عبيد الهروي: 1/۱۸۰.
23- درة الغواص في أوهام الخواص: ١٦٨.
24- طلبة الطلبة: 59
25- شرح أدب الكاتب ۷۰.
26- شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم: 1/٥٣٦.
27- مفردات ألفاظ القرآن: ١5٤.
28- ينظر: الفروق للقرافي: 3/190.