فوضى التيار المضطرب
بقلم : جهاد بشير
في آذار/مارس 2016 قرر مقتدى الصدر ما أسماه اعتزال الحياة السياسية وإغلاق مكتبه الخاص، ودعا نوّابه إلى تقديم استقالاتهم، ورغم أن هذا القرار لم يكون الأول من نوعه في تيّار عُرف منذ ظهوره بأنه مضطرب وفوضوي ولا يفقه من واقع العمل السياسي إلا ما تُحاول قوى التحكم الرئيسة بالنظام القائم في العراق تصديره ليكون رقمًا موهومًا في معادلة يُراد لها أن تكون على هذا النحو؛ فإن الرؤى التي رافقت قرار الصدر هذا لم تختلف في أنه سيعود مرّة أخرى مجددًا لظاهرته الصوتية التي أعتاد العراقيون على ضجيجها دون تحقيق فعل معتبر.
ولم تكن تلك الرؤى مخطئة أبدًا، إذ سرعان ما عاد التيار المضطرب مهرولاً نحو العملية السياسية التي يرتبط بها كسائر بقية الأحزاب والكتل السياسية وجودًا وعدمًا، واستولى على وزارات ومراكز مهمة ليمارس هواية الفساد بصوره وأشكاله الطاغية على المشهد، على الرغم من مبالغات المتحدثين باسمه وعلى رأسهم زعيم التيار نفسه وهم يتكلّفون بشدة حين يتحدثون عن مصطلحات لا تليق بهم من قبيل “النزاهة” و”السيادة” و”الدولة” وغير ذلك من المفردات المعدومة مفهومًا ومنطوقًا في سلوكيات النظام القائم في العراق.
وبعدما انقضت مهزلة الانتخابات الأخيرة وما رافقها من فوضى ومماحكات بين التيار وإطار الميليشيات تحت رعاية إيرانية خالصة؛ أثبتت التجربة والوقائع ذات الصلة بها؛ أن تيار الصدر هو النقطة الأشد ضعفًا والأكثر فشلاً في التعاطي مع المشهد السياسي، وأن ما يملكه مقتدى وتيّاره لا يتجاوز وظيفة ميليشياوية وأدوارًا في دائرة الصخب وتأجيج الصراع السياسي والميداني الذي هو بطبيعة الحال المصدر الرئيس للإبقاء على عرق ينبض في العملية السياسية، فبعد أن مررّت الأخيرة قانون الأمن الغذائي المثير للجدل والمولّد للمزيد من الفساد على أعين الصدر ونوّابه؛ بعدما ضحكوا جميعًا على الرأي العام بكذبة قانون تجريم التطبيع المفرغ أصلاً من محتواه ومقاصده؛ عاد مقتدى مجددًا إلى تميمته القديمة في اصطناع المثالية ومحاولة الصراخ بخطاب “وطني” في ظاهره وانهزامي في حقيقته؛ معلنًا اعتزاله مرة أخرى، واستقالة نوّابه ليفسح المجال لقوى الإطار الخاسرة في الانتخابات لتحل محلّه ويمنحها هدية مجانية لتقود النظام السياسي مجددًا نحو مزيد من الانحدار والتهاوي؛ في ظل ثقافة العصابات ومنهجية الطائفية التي تتبناها الميليشيات وإطارها.
لم يكن تيار الصدر يومًا خصمًا للإطار التنسيقي، بل كان الطرفان – وما زالا – يقومان بأدوار مقصودة ويتبادلان المصالح، ويتقاسمان المكتسبات، فحتى لو شكّلت قوى الإطار ما تسمى “الكتلة الأكبر” وسمّت حكومة احتلال جديدة؛ فإن نصيب التيار فيها محفوظ وفق نسبة معلومة بحسب نظام المحاصصة وما يقتضيه الحال داخل أروقة العملية السياسية.
نجحت طهران في جني ثمرات الصراع بين أدواتها في العراق لصالحها، وعلى الرغم من اعتراض التيار الإصلاحي في طهران على قرار الصدر الأخير وفقًا لما تداولته صحيفة “صبح نو” التي وبّخت مقتدى ووصفته بالعدو لأنه “شق الصف الشيعي في العراق” كما تقول وأحدث ما أسمتها صدمة وخللاً كبيرًا في العملية السياسية، فإن المكسب في المحصلة يصب لصالح طهران بلا خلاف، وما التوبيخ المشار إليه إلا ظاهرة اعتيادية ومتوقعة لا تغير شيئًا في المعادلة ولا تعيق مخططًا تم الاتفاق عليه مسبقًا، ودل على ذلك كلّه ما تناقلته أوساط صحفية وهي تتحدث عن واحدة من زيارات قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني “اسماعيل قاآني” للعراق؛ نقل فيها رسالة صريحة من “خامنئي” بأن طهران لن تقف مكتوفة حيال أي تراجع للطائفة الشيعية في حكم العراق، أو عزل الحشد الشعبي من تشكيل الحكومة الجديدة.
ثمة رقم ثالث في المشهد العراقي لا يحظى بالحجم الكافي من بقعة الضوء، على الرغم من أنه الوحيد الذي يستطيع قلب الطاولة وإعادة مسار القضية العراقية إلى نقطة البداية، والمقصود هو الحراك الجماهيري الذي ما يزال ينشط في محافظات البلاد الجنوبية وعلى وتيرة يومية وإن كان جاريًا تحت مظلة المطالبة بالخدمات والوظائف إلا أنه يُعد نواة قابلة لاستقطاب قضايا أخرى من شأنها أن تولّد حراكًا معتبرًا ذا منهجية وبرنامج أكثر تطورًا ونضجًا مما هو عليه اليوم، فضلاً عن أن غير واحد من تقارير الصحف الغربية الراصدة لواقع حال العراق تحدث عن إمكانية تفجير ثورة شعبية في البلاد نتيجة العجز السياسي في فك الانسداد المتولد من الخلافات والصراعات الدائرة بين أحزاب العملية السياسية، وبسبب التدهور الاقتصادي الذي يجر البلاد قسرًا نحو محطات أكثر عمقًا في قعر الهاوية، والله غالب على أمره.