|

حزب “مودي” وجاهلية “النخبة”

بقلم : جهاد بشير

بينما يتجرّأ الحزب الحاكم في الهند مرّة أخرى وعلى لسان المتحدث باسمه على الإساءة إلى الإسلام ونبيّه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؛ يتمادى نفر من المحسوبين على أبناء الجلدة ضحالة، ممن يتشدقون باسم “النخبة” لتجريد المجتمع المسلم من دينه وثوابته وقيمه.

يأتي تجدد الإساءة  للإسلام ونبيّه ومقدساته؛ لأن المسيئين لم يواجهوا إلجامًا حقيقيًا من الأمة، ولأن الأخيرة سبق أن خاضت تجارب مماثلة من الدنمارك والسويد وفرنسا وغيرهما؛ ولم يكن لها سوى عاطفة عابرة تهيّجت عند بعض الشعوب ثم ما لبثت حتى خبت، فضلاً عن موقف مبدأي معتبر تمثل بسلاح المقاطعة تبنته ثلة طيبة من أهل الحمية وطلبة العلم، وإن كانوا قلّة ضائعة بين جماهير المسلمين؛ إلا أنهم ما زالوا ثابتين وصامدين يؤدون جهد المقل ويواجهون هذا العداء بما هو متاح ومستطاع ولسان حالهم يخاطب الأمة ويقول: {معذرةً إلى ربِّكُمْ ولَعَلّهُم يَتّقونَ}.

وفي مقابل هذا العداء الصريح للإسلام وأمّته، ما انفكت فئات مغيّبة في الضلال تمارس الإفساد في داخل جسد الأمّة وتعلن حربًا على ثوابت الشريعة وأحكامها وترفع شعارات لم يكن لخصوم الإسلام أن يفكروا بها من قبل، تبدأ بتساؤلات خبيثة تتعلق ببعض التشريعات وأصول الأخلاق والمعاملات في الشريعة الإسلامية، ثم تمرّ بتشكيك مقصود لبّه الجهل وقشرته “تحكيم العقل” ليسهل تمريره على السذج، حتى تنتهي بإنكار صريح للدين  ولوازمه ومقتضياته، وتدعو إلى الانحلال والتجرد عن قيمه وثوابته.

ولمّا كان هذا المرض متفشيًا في جسد الأمة، صارت جرأة أعدائها أكبر في الطعن بدينها والإساءة لرسولها عليه الصلاة والسلام، فالمسألة برمّتها أشبه بجيش يريد احتلال ديار كانت محصنة وعامرة، فلما فشا فيها الجواسيس ووجد أهل النفاق منابر إعلامية وسياسية يبثون من خلالها ما يريده العدو؛ بدأ ذلك الجيش يتحرك قاصدًا الانقضاض، فإذا ما وقع ذلك وتم اجتياح الأمّة فلا عليها أن تلوم إلا نفسها لأن الثغرات التي ولج العدو منها صُنعت من داخلها، ولو كانت قد ألجمت تلك الأصوات مبكرًا وقطعت هذه الألسن عند أول فكرة تشكيك طُرحت؛ لما تطورت مراحل الصراع على هذه الشاكلة، وما كان مآل الحال هكذا.

لقد أظهرت الغارة على العالم الإسلامي منذ سقوط الأندلس أن عدو الإسلام على اختلاف جبهاته وتنوع وجوهه؛ يمارس المرحلية والتنقل في افتعال الأزمات، ولسنا هنا بصدد استعراض التأريخ وتحليل مجرياته، إذ يكفي النظر إلى ما حصل في السنوات العشر الماضية حين تنوعت وتعدد أقطاب الإساءة للإسلام والنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، بدءًا من الرسوم الكاريكاتورية، ومرورًا بحرق المصف الشريف، وليس انتهاءً بالحملة الممنهجة ضد الحجاب، وما “حزب مودي” الوثني الذي يتحكم بالهند والمتورط ابتداءً بجرائم تطهير ديني وطائفي، إلا أداة تُستخدم في هذا السياق، وقد جاءت إساءة الناطق باسمه في وقت لم تبعد الأحداث كثيرًا عمّا جرى مؤخرًا من حملة عنصرية تجاه الحجاب في الهند، وبينما يفكر المسلم ويرجو أن يكون للأمة قول فصل وحراك معتبر لوقف ذلك وإبطاله؛ يرصد احتفاءً بزعيم الهندوس المتطرف تحت ذريعة المشتركات بين الأديان، فلم يفاجأ في بادئ الأمر أن تسعى أنظمة سياسية في هذا الشأن لأن قواعد اللعب السياسي بين دول العام خاضعة لتوازنات تفرضها مصالح الدول التي تسمى “العظمى” والتي تجبر من دونها على الخضوع والانقياد لمشاريعها، لكنه تفاجأ حين رأى هذا الاحتفاء في أوساط العلماء ومن هم محسوبون على نخب الأمّة – في ظاهر الأمر على الأقل – عندئذ أدرك أن كيان الأمّة ودينها وثوابتها أرخص مما كان يتصوره ويخشاه، فلِمَ لا يتجرأ الأعداء على مزيد من الإساءات؟!

وبينما ينتفض الإنسان المسلم غضبًا وهو يستمع إلى من يسيء إلى نبيّه الكريم عليه الصلاة والسلام، ويفكر ويقترح طرقًا للرد عليها وإلزام المتورطين بها حدودهم، علاوة على سعيه في معالجة واقع الأمة المضطرب الذي يأخذها يومًا بعد آخر إلى مزيد من التشظي والفرقة؛ يصطدم بشريحة ذات ألسنة حداد، وعقليات تفكرّ بما هو متسخ، وتطرح أفكارًا رثة تريد بها أن تعبث بأخلاق المجتمع المسلم، فتقدم طروحات ذات مغالطات وتناقضات، تسعى إلى شيطنة الحجاب وإباحة الاختلاط المفضي إلى الانحلال، ثم تقول بكل وقاحة إن هذه مواصفات “النخبة”!

“النخبة” المضللة التي تريد أن تزيد جراح الأمّة وتفسح مزيدًا من الطرق لأعدائها للطعن فيها والإساءة لمقدساتها،  وتشكك في شريعتها وأخلاقياتها، في الوقت الذي تُصدّر طروحات منبهرة بالغرب المتهاوي أخلاقيًا وقيميًا، وتروّج لما تسمى “الحضارة الغربية” وتدافع عنها إلى حد  وصل إلى الإشفاق على مجتمع كافر فقط لأن مدخوله من الربا قليل؛ إنما هذه نخبة الجاهلية التي تريد أن تعود بالمسلمين إلى غياهب الظلمات والرجعية، فإن لم تكن للأمة جرأة في أن تجتث هذا الوباء من جسدها، فمن المؤكد أنها لن تقوى على إيقاف الإساءات التي تتجدد بين حين وآخر وتستهدف نبيّها وقرآنها وشريعتها، والله غالب على أمره.

Similar Posts