صراحة.. بين “حظر التطبيع” وأدبيات المقاومة
بقلم : جهاد بشير
أن تكون إسلاميّ النزعة في الفكر والمنهج والمشروع السياسي؛ فهذا يعني أن حديثك عن المقاومة بوصفها مشروعًا تتبنّاه حركات التحرر فضلاً عن الشعوب التوّاقة إلى الحريّة؛ حديث عن الحياة، فالأمة في ظل ظروفها اليوم لن تدوم طويلاً بغير المقاومة، ولا بد أن تكون أدبيات العمل المقاوم منهجًا تربويًا يُغذى فيه أبناء الأمة جيلاً بعد جيل.
ولا شك بأن للمقاومة ثوابتَها وأدبياتِها ومنهجيتَها المعتبرة التي لا ينبغي أن تنصرف عن أذهان كل واحد يتصدر التحليل والنظر، ويريد أن يعزز الواقع برؤى بناءة ومعطيات ذات أثر وثمر، لذلك فإن أولى خطوات التنظير في هذا الشأن وضع الحدود الفاصلة بين أهل المقاومة بوصفها مشروعًا وحقيقة وميدانًا للجهاد ذا مخرجات مؤثرة، وبين من يدّعيها على غير هدى طمعًا في مكسب واتباعًا لهوى سياسي تُركب فيه الموجة وتُساق لأجله الأوهام.
ولمّا كان للمقاومة الحقيقية في العراق – ولا سيّما في العقد الأول من الاحتلال – تاريخ جزيل في عطائه ونتاجه – رغم أنه ظُلم كثيرًا وحيل بين مشروع الفصائل وبين بلوغ مقاصده المعتبرة بمؤامرات جيئ بها تترى وهي تمتطي ظهور أهل السياسة ومن سار في ركبهم – سهل على الأدعياء التشدق بها، وتوظيفَ الخلافات السياسية داخل منظومة المشروع الأمريكي؛ للحديث بمسمياتها، مما أنتج كتلاً من التناقضات والفضائح هي أبعد ما تكون عن مشروع المقاومة الذي يدركه العقلاء ويميز بينه وبين غيره أولو النهى وأهل التجرد.
وعلى كل حال؛ فإن بدعة ما يُسمّى قانون “حظر التطبيع” مع الكيان الصهيوني الذي خرج به مجلس النوّاب في بغداد مؤخرًا؛ ليست سوى قطعة مستلّة من كتل التناقضات المشار إليها آنفًا، فالمجلس هذا وإن كان “جديدًا” بعد مهزلة الانتخابات الأخيرة؛ فإن مكوناته من كتل وأحزاب العملية السياسية هي نفسها في كلّ مرة، وغالبية أعضائه تكررت وجوههم بعدما حصلوا على مقاعدهم فيه ضمن نظام التدوير وتبادل المواقع المتبع في منظومة المحاصصة، وهم أنفسهم الذين شرّعوا قانون “مكافحة الإرهاب” ذا الصبغة الطائفية والذي كان فلسطينيو العراق من أوائل من دفع ثمن طائفيته قتلاً وتغييبًا، فضلاً عن التعذيب والتهجير، فلم يكن قانون “حظر التطبيع” هذا إلا خطوة اتخذتها الكتل السياسية دعمًا لمصلحة إيران وتعزيزًا لظاهرتها الصوتية التي تدعي معاداة “إسرائيل” لتحقق به مكسبًا على أرضية التنافس مع الولايات المتحدة التي منحتها شراكة عمل ونفوذ في العراق، واستعملتها عصاة لتدير بها المنطقة.
وما دام الحديث عن إيران وعن المقاومة بوصفها الشرعي المعتبر؛ يكثر الحديث في الأوساط الفكرية والسياسية عن القبول بالتعامل مع نظام طهران في ظل مزاعمه نصرة القضية الفلسطينية من عدمه، والحقيقة فإن الخوض في هذا الموضوع دال على مصاب الأمّة الكبير، لأن القرار بشأن حظر التعامل مع إيران معلوم بالضرورة ولا يماري فيه إلا معاند أو من أصاب بوصلته شيء من خلل.
فإذا كان الدم العراقي والسوري رخيصان لدى أصحاب الطروحات التي تبرر التعامل مع إيران في إطار المقاومة الفلسطينية، فلا يضعوهما في الاعتبار؛ فما بال الدم الفلسطيني؟ كم مسلمًا من فلسطينيي العراق قُتل على أيدي عصابات وميليشيات إيران بعد سنة 2003 وحتى اليوم؟ الإحصاءات الموثقة في هذا المجال تتحدث عن آلاف الضحايا والمعتقلين الذين ما زالوا يرزحون في سجون ميليشيات إيران وحكومة بغداد ذات التبعية الإيرانية، وفلسطينيو العراق عاشوا فيه عقودًا في عزة وكرامة، ولم يشعروا إلا أنهم جزء من أهله، ولم ينل منهم أحد حتى تسلطت إيران في ظل الاحتلال الأمريكي التي بدأت بسحب إقامتهم الدائمة وأجبرتهم على أن يكونوا أجانب في العراق بلا حقوق ولا مستقبل، ولا يُنسى في هذا المقام كيف اضطرت مئات العائلات الفلسطينية المقيمة في العراق منذ نصف قرن إلى المرابطة على حدود سورية لأسابيع بعدما استولت ميليشيات إيران على مجمعاتها السكنية في بغداد وفي غيرها، قبل سنوات، وهذه نقطة لا ينبغي إغفالها حين نحاول الحديث عن تبرير التعاطي مع إيران، فضلاً عن شكرها والاحتفاء برموزها ووصفهم بالشهداء وما إلى ذلك.
والسؤال هنا – وهو على سبيل المثال – هل يُقبل عقلاً وشرعًا أن تتلقى القوى العراقية المناهضة للاحتلال والعملية السياسية دعمًا من الكيان الصهيوني من سلاح أو مال في سبيل مواجهة إيران بوصفها قوة احتلال في العراق؟ على الرغم من أن هذه القوى لا تقدم للكيان شيئًا، وترفض جرائمه، وتؤيد مقاومته، وتنادي دائمًا بقضية فلسطين بوصفها واحدة من كبرى القضايا المركزية في الأمّة.. فهل يقبل هذا؟ قطعًا لا، ولا يقول بقبول ذلك إلا من سُلبت حصافته واتجه نحو ما يناقض ثواب الدين، والقياس على هذا لمثال متروك لأهله من باب النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى غير أحادية الجانب.
وغاية ما يبرره أصحاب اتجاه جواز التعاطي مع إيران لمواجهة العدو الصهيوني؛ أن “العلاقة قائمة على مصالح سياسية وليست فيها مولاة عقدية، وأن الجهات التي تتعامل مع إيران لم تمنح طهران شيئًا بل بالعكس هي التي تأخذ منها المال والسلاح” وهذا ضرب آخر من التناقض الذي يدعو إلى العجب؛ إذ كيف يُسوغ التفريق بين التعامل السياسي والثوابت العقدية؟ إذا لم تكن السياسة قائمة في إطار الإسلام وشريعته ومقاصده لماذا ندعي أننا نتبنى فكرة إسلامية؟ ثم على من يتحدث عن أن هناك فرقًا بين المودة بصورتها العقدية، وبين التعامل السياسي والمصلحي مع من ينقض عقيدة الإسلام؛ أن يضع في نظر الاعتبار أن المطبّعين مع الاحتلال الصهيوني ينطلقون من المبدأ نفسه لكن بالاتجاه المعاكس!
إن الذين يريدون ممارسة السياسة بعيدًا عن العقيدة تحت ذريعة المصالح، وعدم وجود مسطرة، وبلا ضوابط بحجة أن السياسة قائمة على المتغيرات؛ علبهم أن يخرجوا من دائرة الخطاب الإسلامي، ولا يتبنوا فكرة إسلامية، لأن هذا الطرح غير إسلامي ننتقده بوصفنا مسلمين، وننتقد أصحابه في خطاباتهم على جميع جوانب الحياة، فإذا فعلوا ذلك فقد وقوا أنفسهم من سهام النقد.
وبالعودة إلى ردود الأفعال المتعلقة بمجلس نوّاب العملية السياسية في العراق وقراره المخادع بشأن “حظر التطبيع”، صدر ما يدعو إلى العجب عن رموز فكرية وثقافية وإعلامية وسياسية، وهي تبارك وتحتفي وكأن مشروع القرار حرّر المسجد الأقصى، فكيف أجاز المحسوبون على أهل العقول لأنفسهم تصديق مزاعم نظام يعمل منذ تسع عشرة سنة في خدمة المشروع الصهيوني من البوابة الأمريكية وتحقيق مقاصده في العراق والمنطقة، ثم يأتي بكل وقاحة ليفتري قولاً بإصدار قانون “حظر التطبيع”، الذي هو في الأساس مقرّ في قانون العقوبات العراقي منذ سبعينات القرن الماضي؟!
وأكثر ما يزيد الجو المتصل بردود الأفعال هذه حيرة أن يتحجج بعض المحتفين بكذبة مجلس نواب العملية السياسية بأن “أي قرار ضد الصهاينة من أي جهة كانت يستحق الإشادة؛ لأن المهم في العمل السياسي النتيجة، وليس النيّة”، ويتناسى أصحابه أن المنهج الإسلامي في العمل السياسي يقتضي النظر في المآلات، ويرفض الحكم على الشيء إلا بعد تصوّره، فضلاً عن أنه يحظر قبول المعونة ممن كان سببًا في نكسة المشروع الإسلامي حتى لو كانت الاستعانة به لاحقًا تقدم نفعًا أو تمنح عونًا؛ ألم يرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج معه أهل النفاق إلى غزوة حمراء الأسد بعدما نكصوا عن غزوة أحد، وأصاب المسلمين القرح والأذى حتى أمسوا بأشد الحاجة إلى مدد وعسكري وعون مادي؟ وذلك فضلاً عن التوجيه القرآني الذي لا يأتيه باطل: {فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ۖ إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ}.
إن فلسطين والعراق بوصفهما توأم في القضية والفكرة والمصير، هما أنزه وأنقى من أن يكونا بحاجة إلى قرار كاذب، لا يتجاوز تطبيقه حدود الصفحات التي كتب فيها، ولن يبصر نورًا حينما تنصرف عنه عدسات الكاميرات وأضواء وسائل الإعلام، وإن حظر التطبيع مع كيان الاحتلال ومن يواليه لهو فطرة إنسانية وثابتة إسلامية تستعلي بقوّتها على قوانين وضعية تُروّج لتمنح واضعيها خطوة تقدم في مضمار الصراع السياسي والتنافس المصلحي.. والله غالب على أمره.