التصحر والجفاف في العراق الأسباب والوقائع
بقلم : إياد العناز
باحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير
يمكن لأي بلد أن يكون أكثر تحضرا وتقدما في جميع الميادين الحياتية ويسعد شعبه ويرتقي به إلى مصافي الشعوب الحرة الكريمة ويسمو به إلى مراتب البلدان المتقدمة إذا ما أحسنت المنظومة السياسية والاقتصادية استخدام الطاقات البشرية التي تمتلكها وتسخير الثروات الطبيعية التي حباها الله بها، وفي هذا يتحقق غرضين تحسين أوضاع البلد وإسعاد مواطنيه والتغلب على جميع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية واستخدام الأدوات العلمية والتقنية في معالجة جذرية لها وإيجاد الحلول الدقيقة وتلافيها والنهوض بواقع البلاد بأسلوب حضاري وإدارة جيدة ونظرة استراتيجية تحقق أفقا ميدانيا عاليا يساهم في تعزيز البنية التحتية للبلد والمضي به إلى مراتب الرقي والعلم والمعرفة وتحقيق الأهداف والغايات التي يتحلى بها أبناء البلد ويسعون إلى تحقيقها بالمواظبة على العمل وإسناد مؤسسات الدولة التي يفترض أن تقدم لهم جميع الإمكانيات وتسخر جميع الطاقات ليتمكنوا من التغلب على المشاكل الاقتصادية والأزمات الاجتماعية وتحقيق الرفاهية المجتمعية والتنمية الشاملة في جميع ميادين الصناعة والتجارة والزراعة، ومن أهم هذه المقومات هي تعزيز الجانب الإنمائي الذي يحقق ثورة تنموية شاملة بأيادٍ ماهرة وعقول وآراء وأفكار بناءة ودراسات ميدانية صائبة تأخذ على عاتقها دراسة الجانب الحيوي في كيفية فهم وإدراك ما يمر به البلد والعمل بصورة متواترة للنهوض به ومعالجة جميع الإخفاقات التي تؤثر على مديات التقدم الحضاري والعلمي في مؤسسات ودوائر الدولة المدنية والعلمية وبهذا تكون الدولة قد أخذت الطريق الصحيح في مسايرة الأحداث والتغلب على الصعاب .
أردت أخي القارئ الكريم من هذه المقدمة أن أصل بك إلى التقرير الذي أصدرته منظمة الأمم المتحدة في العراق يوم التاسع عشر من أيار 2022 والذي تضمن نقاطا مهمة جوهرية تتعلق بطبيعة الأوضاع الجوية السائدة في العراق وكيفية معالجة حالات الغبار والرياح التي بدأت تثقل كاهل المواطن وتسبب له العديد من الحالات المرضية والأزمات الاقتصادية المتعلقة بالجانب الزراعي وزارة الموارد المائية، ويشير التقرير أنه إذا لم تتمكن الحكومة العراقية ومؤسساتها من إيجاد الحلول المناسبة من خلال القيام باستصلاح الأراضي الزراعية وزيادة المحاصيل وتعزيز الجانب التوجيهي والصحي في حاجة كل مواطن عراقي لزراعة 27 نخلة سنويا لمعالجة زيادة نسبة الأوكسجين في الجو بما ينعكس إيجابيا على حالته الصحية ومعالجة زيادة هبوب العواصف الترابية الرملية التي يعود سببها إلى الأراضي الجافة وقلة الغطاء النباتي واذا ما استمر الحال فإن نسبة الأراضي الصحراوية سيرتفع إلى 31% وتستمر حالة تركيز الغبار المترسب في العراق بمعدل 80 ملغم مربع شهريا وأن العراق أصبح الآن في أقصى حالات الجفاف بمعدل الأراضي الصالحة للزراعة بلغت 28% بعد تراجع مناسيب المياه لنهري دجلة والفرات إلى وضع بات يهدد الحياة البشرية في العراق وهناك نقص غير مسبوق لاحتياط المياه وصل لنسبة 50% من المقدر مع وجود عوامل مساعدة تتمثل بزيادة العواصف الترابية الصفراء والحمراء التي لم يسبق للعراق وان شهدها من قبل وهذا يزيد المواطن إرهاقا يضاف إلى معاناته من انقطاع التيار الكهربائي وظاهرة الفساد المالي والاقتصادي في مؤسسات الدولة وعدم وجود مشاريع تنموية ونهضة زراعية واهتمام بإقامة السدود ومعالجة نقص المياه بعد أن قامت إيران في الآونة الاخيرة بتغيير في أنهر المغذيات المائية باتجاه العراق وهذا ما أكده وزير الموارد المائية مهدي رشيد بقوله إن إيران منعت المياه تماما وتسبب ذلك بضرر عام ونتفاوض معها وننتظر موقفا إيجابيا، بحسب تصريحه.
إن الدور الإيراني واضح في هذه المشكلة بعد ام تعمدت في قطع 41 نهرا ورافدا مائيا عن البلاد منذ عام 2003 وإلى الآن؟؟!! مما أدى إلى نقص المياه وزيادة خطر الجفاف بعد أن انخفض منسوب نهري دجلة والفرات إلى 73% وهذا يتطلب إجراءات سريعة من قبل الحكومة العراقية وأدوات تقنية ومعالجة جذرية للأسباب التي أدت إلى التأثير سلبيا على القطاع الزراعي لبلد يبلغ تعداد سكانه 41 مليون نسمة بدأوا يشعرون بتغيير المناخ على حياتهم وخوفهم من استمرار حالة التصحر والعواصف الترابية وتراجع المتساقطات وانخفاض مستويات الأنهر وهذا ما أدى إلى اتخاذ العراق قرارا بتخفيض مساحته المزروعة إلى النصف بسبب نقص المياه.
ويقول هاني شعير رئيس جمعيات مستخدمي المياه أن نهر الفرات في محافظة القادسية حيث تقع قرية جليحة كان يغذيها بـ 180 م3 من المياه في الثانية بالعام الماضي أصبح يغذيها في هذا الموسم بـ 80 م3 وأدى هذا إلى تراجع انجاز مشروع الثريمة الذي يسقي مساحة 200 ألف دونم وأن بعض الجداول المائية قد جفت وأدى الأمر إلى ترك الفلاح لأرضه والذهاب للمدينة بحثا عن مصدر للرزق والعمل، ويؤكد القول عون ذياب كبير مستشاري وزارة الموارد المائية لوكالة الصحافة الفرنسية أن مخزون المياه في العراق انخفض إلى النصف مقارنة بعام 2021 جراء قلة تساقط الأمطار وانخفاض واردات الأنهار من دول الجوار.
ويقول البنك الدولي إن العراق يحتاج إلى 180 مليار دولار على مدى عشرين سنة لتحديث البنية التحتية بما فيها السدود ومشاريع الري اللازمة لضمان أمنه المائي، ما يعني أنه يحتاج سنويا إلى ضخ 9 مليارات دولار سنويا لهذا الغرض، غير أن ما تم تخصيصه للوزارة المعنية بهذا الأمر، ألا وهي وزارة الموارد المائية لم يتجاوز 15 مليون دولار في عام 2018.
وحتى الآن لا يوجد ما يدل على تغيير هذه السياسة بوضوح، في هذه الأثناء وبدلا من الالتفات إلى مشاريع مياه بديلة تحافظ على ما تبقى من الثروة المائية على سبيل المثال من خلال منع الفاقد في الشبكات وتعميم الزراعة بالتنقيط والرش بدلا من الري بالغمر، والبحث لا يزال مستمرا عن مزيد من النفط والغاز وزيادة الاعتماد على ريعهما أكثر من أي وقت مضى، وهذا يتطلب إعادة النظر في أولويات المنظومة الاقتصادية لدعم الجانب الزراعي والاهتمام بمشاريع الإرواء واستصلاح الأراضي والمضي بإنشاء مشاريع حيوية تزيد من فاعلية البنية التحتية للقطاع الإنتاجي الزراعي.