|

وهم السيادة في ساحة الفوضى

بقلم : جهاد بشير

تقول وزارة خارجية حكومة بغداد إنها استدعت سفير أنقرة لديها لتسليمه ما أسمتها “مذكرة احتجاج” وصفتها بـ”شديدة اللهجة” بسبب العملية العسكرية التركية الجديدة شمالي العراق، في الوقت الذي يعكف سفراء إيران المتعاقبون وقادة حرسها الثوري وآخرون يعملون في الظل؛ على صناعة القرار والرأي السياسي والتحكم بمفاصل الملف الأمني، دون أدنى جرأة من حكومة بغداد لمواجهتهم حتى ولو بطرح مجرد تساؤل!

ازدواجية المعايير وتناقضات الأداء حالة ملازمة لحكومات العملية السياسية، وسبب ذلك واضح ولا يتطلب تحليله تعقيدًا؛ وهو أن هذه المنظومة ليست بصاحبة قرار، وإنما أمرها مرهون بمن يتحكم بها، لذلك كانت السيادة – وما تزال – بمفهومها ومنطوقها مضمحلة في المشهد العراقي، والحديث عنها واحد من مسببات السخرية في الأوساط العراقية كلّها على تنوعها وتباين مستوياتها.

العمليات العسكرية التركية في شمالي العراق ليست وليدة اليوم، فهي مستمرة منذ سنوات تتفرّج عليها حكومات بغداد ولا تستطيع اتخاذ موقف معتبر تجاهها، إلا في إطار صراخ بعض أحزاب السلطة حينما تريد صرف الأنظار عن مشكلة حقيقية تلم بالمشهد ثم ما تلبث حتى تنتهي زوبعتها، علاوة على أن لانقرة مبررات تقول بشأنها إن لديها اتفاقًا مسبقًا مع العراق للقيام بعمل عسكري من شأنه تحييد المخاطر الناجمة عن التنظيمات والجماعات الميليشياوية التي تهدد أمن تركيا وفي مقدمتها حزب العمال.

وبينما تتهاوى العملية السياسية في الفشل المركب بعد الانتخابات الأخيرة التي خلّفت نتائجها مزيدًا من الفوضى وحزمًا أخرى من مبررات تصاعد الصراع؛ يتهافت ممثلو إيران على اختلاف مستوياتهم صوب بغداد، وما بين عشرات الزيارات المعلنة وأضعافها مما هو غر معلن؛ تسعى طهران لإعادة ترتيب أوراق حلفائها سواء من التيارات السياسية أو من الفصائل الميليشياوية؛ وفق ما هو ظاهر، ولتأسيس مرحلة جديدة ذات تداعيات محلية وإقليمية فيما هو باطن، وفي كل الأحوال فإن سياسة التخادم التقليدية بين طهران وواشنطن ما تزال على حالها وليس ثمة مؤشرات على المفاصلة بينهما إلا ما يكون في سياق إعادة توزيع الأدوار وتجديد أنماط العملية السياسية بوصفها الساحة المثلى لتوليد الفوضى.

يتمادى القائمون على العملية السياسية في مغالطاتهم ظنًا منهم أن الوعي الشعبي العراقي مغيب، وأن إرادة العراقيين باتت خافتة، لا سيّما وأن الحراك الجماهيري لمّا يحقق أهدافه بعد، بينما بؤر الفساد ما تزال فعّالة في صنيعها ومنتجة في مخرجاتها، لذلك تبدو الفرصة سانحة أمام أحزاب السلطة لتوسيع مساحات الفوضى، ورمي المزيد من الأوراق في خانات الخلط، والهدف من ذلك كلّه إطالة أمد النظام ومنح مؤسسيه وسائقيه مسارات متجددة لتوظيف المشروع السياسي للاحتلال والأخذ به نحو مقصده.

وإذا كان حال النظام السياسي في العراق على هذه الشاكلة؛ فإن مبررات إعادة تنشيط ساحة العمل الجماهيري تبدو حاضرة أكثر من أي وقت مضى، ولا ينقص المشهد سوى إرادة حقيقية وهمّة شعبية تقوم على الوحدة وتتجرد من العمل وفق مطالب مادية أو حاجات وظيفية، بأن تتخذ من مبادئ المناهضة منطلقًا لقضيتها فتقلب بذلك موازنات النظام، وتفرض على العملية السياسية عودة قسرية إلى المربع الأول الذي طالما كان محل خشية أحزابها ومصدر خطر يستهدف وجودها؛ وإن العودة إلى منطلق البدايات المعوجة كفيلة بكسر المسار المنحرف.

Similar Posts