الطارمية.. ومؤتمر الجوار المحاصر
بقلم : جهاد بشير
تعود مناطق حزام بغداد الشمالي إلى الواجهة مجددًا؛ ولاسيما قضاء الطارمية ومحيطه الغني بالموارد الزراعية، والصناعية، فضلاً عن الجانب الاستراتيجي الذي يجعل للمنطقة أهمية تفوق الكثير من نظيراتها في مناطق العراق المختلفة.عودة موجة الاستهداف الطائفي لعشائر الطارمية وكافة مناطق الحزام الشمالي لبغداد؛ ليست جديدة، فقد دأبت حكومات بغداد منذ سنوات على أن تكون هذه المنطقة هدفًا موسميًا، ومقصدًا متكررًا كل مدة من الزمن، في حملات عسكرية، وحصار اقتصادي، وانتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان؛ وكل ذلك يصب في اتجاه واحد، وهو إفراغ المنطقة من سكّانها المحليين وتهيئتها لتكون محطة في مشروع إيران الديموغرافي، الذي كان قبل بضع سنين نظريًا أقرب من كونه ميدانيًا، لكن أحدًا لم يلتفت إلى ذلك أو لم يكن يرد تصديقه رغم أن أماراته كانت بادية بوضوح؛ بل قوبلت تحذيرات القوى العراقية المناهضة للعملية السياسية في هذا الشأن بردود أفعال ساخرة عند الكثير ممن يتباكى اليوم على واقع حال العراق عامة ومناطق أحزمة بغداد بكافة اتجاهاتها خاصة.ولمّا أخرجت إيران بعين رضى أمريكية؛ ميليشيات “الحشد الشعبي” تحت ذريعة “محاربة الإرهاب” التي لم تتحقق، وأخذت الفصائل المقربة والمدعومة من طهران تمارس أعملها الطائفية دون رادع أو رقيب، بل في أغلب أحيانها تحت مظلة “القانون” وعلى مرآى ومسمع حكومة بغداد التي جعلت من هذه التشكيلات “قوّات نظامية”؛ صار الوضع الميداني في محيط بغداد مختلفًا تمامًا،وبات حراك الميليشيات يُنبئ عن مقاصد شتى؛ فمنذ مطلع العام الجاري شنت القوّات الحكومية ومعها فصائل متعددة من الميليشيات ما يزيد عن عشر حملات عسكرية معلنة على الطارمية وضواحيها، وبحسب البيانات الرسمية لوزارة الدفاع؛ فإن كل عملية منها دامت أيّامًا تصل في بعض المرات إلى أسبوع كامل، وفي كل مرة تقول البيانات إن الحملات تستهدف “الإرهاب” وما تسميها “الخلايا النائمة” ولكنها لم تطلع الرأي العام مطلقًا على أي نتيجة، وسبب ذلك معروف وبيّن؛ وهو أن الحملات لم تكن تطال “إرهابًا” ولا مسلحين بقدر استهدافها السكان المحليين ومصادر أرزاقهم، وسبل حصولهم على التعليم، وأنماط حقوقهم الإنسانية؛ فالاعتقالات والتغييب القسري القائم على أساس طائفي، والاغتيالات شبه اليومية في السياق نفسه، ومصادرة الأراضي الزراعية والبساتين وتجريفها، والعبث في منازل الناس وسرقة ما تطال أيدي عناصر الميليشيات منها، وقطع الطرق وحرمان المئات من الطلبة من الالتحاق بمدارسهم وجامعاتهم، مظاهرة مُشخّصة وموثقة لتلك الحملات.وفي الآونة الأخيرة بدا للأحزاب الطائفية المرتبطة بإيران؛ أن تعيد الكرّة مجددًا صوب حزام بغداد الشمالي بعدما أجهزت على الأهالي في نظيره الجنوبي، فأخذت تطلق حملات تحريضية على الطارمية وعشائرها، وباتت التصفيات التي تجري بين أحزاب السلطة في مواسم الانتخابات والتنافس السياسي بواسطة التفجيرات وجرائم استهداف المدنيين في بغداد تُلصق بأهالي الطارمية، لتكون مبررًا لشن حملات جديدة وإدامة الضغط على السكّان المحليين بغية تنفيرهم من هذا الواقع المفروض عليهم وحملهم على مغادرة مناطقهم.وذلك كله ليس سوى مرحلة من مراحل مشروع إيران الديموغرافي لإعادة هيكلة شكل المناطق المحيطة ببغداد، تمهيدًا لخطوة أخرى تريدها طهران بأن تقتطع المناطق الممتدة شمال العاصمة إلى مدينة سامراء – بما تزيد مسافة امتدادها عن مائة وخمسين كيلومترًا – وتحيلها محافظة جديدة ذات طابع طائفي استنادًا إلى وجود محطات ومراقد تستخدم لاستثارة العواطف وتهييج فئة ما من المجتمع العراقي؛ لتغدو بذلك محافظة صلاح الدين مجردة من أي عمق أو بعد استراتيجي بعدما أجهزت الميليشيات سابقًا على مدينتي بيجي والشرقاط شمالاً، وجعلت مما تبقى من مدن المحافظة خاوية وخاضعة لقوة عسكرية بحيث لا يستطيع الأهالي التنفس إلا تحت أنظار أمنية ورقابة مشددة.تجري عمليات استهداف أحزمة بغداد في وقت تعتزم أنظمة دول الجوار العراقي المجيء إلى العاصمة تلبية لدعوة حكومة الكاظمي لعقد مؤتمر يُزعم أنه سيناقش مسائل “الأمن والاقتصاد والتنمية والبيئة والتعاون والشراكات”؛ وفقًا لما أُعلن عنه.. وفي الوقت الذي تدرك هذه الأنظمة جيدًا أنها ستعقد “قمّتها” في مكان تحاصره طهران من كل جهاته؛ فإن عنونة اللقاء باسم بغداد خطوة مفضوحة، ومناورة مكشوفة الأوراق لا تغيب مقاصدها إلا عن ساذج أو مغلوب على أمره!إن على أنظمة دول الجوار أن تدرك جيدًا أن استمرار اعترافها بالعملية السياسية وتعاطيها مع حكومات بغداد المنبثقة عنها؛ ليس سوى وسيلة تمهّد الطريق لطهران في أن تدس يدها في أمن واقتصاد وسياسية تلك الدول، وإن وقوع ذلك أو بيان نتائجه لا يحول بينه وبين أن يظهر للعيان إلا عامل الزمن.