أفغانستان .. وهزيمة أمريكية جديدة
بقلم : جهاد بشير
جاءت أحداث أفغانستان والتطورات السريعة في قضيتها لتغطي على المشهد العالمي كله، وسط فوضى من التصورات والاتجاهات والتحليلات العشوائية التي طغت على جلّها أمارات مشوّهة ما بين نظرية المؤامرة أو الفكر السلبي القائم على مناهضة الجهاد وحق المقاومة واستبعاد فكرة تحقيق الانتصار، في انعكاس لواقع الأمة المزري على كافة مستوياته، والذي ببلغ بأبنائها محطات متدنية في الفكر والرؤى.المشهد يتلخص في قضية أساسية؛ أن الولايات المتحدة هُزمت مجددًا في أفغانستان، وأن محاولات تجميل هزيمتها بالتعبير عنها بالانسحاب أو شيطنة خصمها وتجيير وسائل الإعلام لتسقيطه؛ محاولات بائسة لا يمكنها التغطية على الواقع، لاسيما وأن المد الإسلامي ذي العمر الطويل من الخبرة في الميدانين العسكري والسياسي، والقائم على اعتدال التصورات والمستند إلى حق مقاومة الاحتلال بكافة أنماطه؛ حقق خطوة مهمة في الميدان وقطع مرحلة في طريق الانتصار؛ ولعل شهادة الشعب الأفغاني العملية التي عبّر عنها في مواقفه وردود أفعاله تشير إلى ذلك بوضوح.لقد أحسن قادة طالبان وأتقنوا الحراك برؤية الخبير المختص الذي ربّاه الميدان على مدى عقود؛ فالقرارات السريعة التي صدرت عن الحركة بُعيد سيطرتها على كابل ولاسيما ما يتعلق منها بالعفو والحرية الاجتماعية وتفكيك قيود كان يُتوهم أنها ستكون سلاحًا في وجه الشعب الأفغاني، وغير ذلك؛ تُنبئ عن بُعد فذ في التفكير وإتقان غير مسبوق في السياسة؛ من شأنه قطع الطريق على كل متربص ما لبث أن صرخ متخوفًا من “التطرف” أو “الإرهاب” مرددًا إسطوانة مفروغة لا يمل الإعلام الممنهج والموجه من الترويج لها؛ دون أدنى بصيرة ودون أن يكلف نفسه عناء توظيف عقله في النظر والتحليل.كسبت أفغانستان جولة جديدة، وهي الآن على مشارف مرحلة مهمة من تأريخها المعاصر، لأن حركة طالبان فاجأت الجميع حينما تحركت خطوتين فقط فإذا بجيش الحكومة الأفغانية ينهار من فوره، وهو الذي كان يحظى بالدعم الأمريكي على مدى عشرين سنة أنفقت فيها البنتاغون أكثر من 88 مليار دولار على تدريبه وتجهيزه وإعداده.. فماذا حصل؟ انتصرت القوة القائمة على عقيدة يحيط بها الصبر والتربية المتواصلة، وتتقوى بالجهاد والرباط وطول النفس، ودُمرت القوة الموهومة التي لا تقوى على الوقوف إلا متكئة على ظهير دولي أو آخر إقليمي.استمدت طالبان قوّتها من حاضنتها الشعبية، وهذا مقصد مهم في العمل الجهادي طالما تُذكر به الشريعة الإسلامية وتحض أهل الميدان عليه، وقد سبق للعراقيين أن عاشوا هذا المشهد في حقبة المقاومة العراقية الحقيقية أواسط العقد الأول من هذه الألفية، حينما كان للحاضنة الشعبية الدور الأبرز في علو كعب الفصائل على عدوها، وأسهمت في أن تكون ضربات المقاومة أشد فتكًا وأكثر إيغالاً في العدو، ولدى المارينز أنفسهم الخبر اليقين.الجدير بكل مسلم على هذه الأرض أن يكون فخورًا بإنجاز طالبان، وأن يدعو الله عز وجل لتمكين شبابها وقادتهم؛ وأن يثبتهم وينصرهم ويأخذ بأيديهم إلى الرشد، وأمّا حديث التخذيل، وقيح المؤامرات، والاستشراف المزيف لمآلات موهومة؛ فهو من تبريرات القاعدين وحجج الرابضين الواهية.