|

أجواء سياسيّة واتجاهات فوضوية

بقلم : جهاد بشير

تزخر أجواء العملية السياسية في العراق باجترار مواقف ذات اتجاهات فوضوية، وترويج أفكار يُراد لها أن تكون حاضرة في المشهد الذي يزدحم بسياقات هدفها توظيف تلك المواقف، والتهيئة لاقتناص مكاسب في ميدان الصراع بين قوى متشاركة في منظومة اصطبغت بالتناقضات.ولربما كان جوّ تيار مقتدى الصدر من أكثر فضاءات العملية السياسية تناقضًا وعشوائية، ولاسيما رأس هرمه، فهو حتّى اليوم لا يستطيع أن يكون خارج إطار المنظومة الحاكمة التي صنعتها الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يدّعي أنه يُخاصم واشنطن، وبينما يرضخ لإيران ويتحرّك تحت مظلتها؛ يصرخ ويصنع الفوضى المكتلّفة وهو يزعم أنه يُناهض أحزابها في العراق التي غشت رائحة فسادها أنوف المنطقة والإقليم، فتارة يخرج على أنه داعم للتظاهرات الشعبية، وتارة أخرى يعاديها ويحرّض عليها، وعلاوة على تورط ميليشياته بجرائم ممنهجة وطائفية على مدى العقدين الماضيين، بات مؤخرًا يهدد على ألسنة مقرّبيه بأن نتائج الانتخابات المقبلة إذا لم تكن لصالح تيّاره فإن انهيار الملف الأمني في العراق سيشهد حالة مشابهة لما كان عليها في ذروة الأزمة الطائفية بعد سنة 2006م.الخلاصة؛ أن تيّار الصدر يمثل الجو المثالي لشركاء العملية السياسية في توظيف صراعهم وتنافسهم أثناء موسم التزاحم الانتخابي والمراحل التمهيدية قبل بلوغه الأوج، وقد ظهر الصراع مجددًا هذه المرة على أكثر من جبهة على الرغم من عدم ضمان إجراء الانتخابات “المبكّرة” التي زعمت حكومة بغداد إجراءها قبيل نهاية العام الجاري؛ وذلك لأن جوّ الخصام يعطي فرصًا ومساحات بين الشركاء ليشكلوا حكومتهم على مبدأ “التوافق” السياسي والتقاسم المصلحي بعيدًا عن نتائج الانتخابات التي لم تحظ يومًا بقبول شعبي وجماهيري حقيقي، إذ كل ما أعلن وسيعلن عنه من أرقام وإحصاءات بشأن نسب المشاركة فيها وهْم مُسّوق وكذب منمّق، ولا ينتهي المطاف في التشكيل الحكومي وحصص مقاعد النوّاب إلا وفق هذا التوافق المحدد بنسب مئوية للكتل والأحزاب السياسية تم الاتفاق على أطرها منذ أول خطوة في مسار العملية السياسية.وبالمقابل؛ ثمة جوّ آخر لم يكن في يوم ما مؤهلاً ليبدو أنه مصدر اطمئنان، أو حريصًا على أن يوصف بالنقاء، جوّ ما ألف العراقيون منه إلا اسودادًا متزايدًا وتلوثًا متصاعدًا؛ إذ كان في حقبة ما من تأريخ العملية السياسية مثاليًا بالنسبة لواشنطن وطهران لتنفيذ سياستهما المشتركة المبنية على مصلحة التخادم وما ينتج عنها، لكونه محترفًا في إبقاء جذوة الفوضى متقدة، وصاحب صنعة في توظيف الطائفية السياسية واقعًا أمنيًا منحدرًا واقتصاديًا منهكًا، واجتماعيًا مترديًا، بل ومن أعجب تناقضاته أنه اختار اسم “دولة القانون” ليكون شعاره وهو يتحكم في منظومة سلبت من العراق مفهوم الدولة، وعرّته عن أي قانون معتبر، وجعلته مستباحًا لكل من يريد العبث؛ ومما يزيد التعجب أنه أكثر من تحدث ـ وعلى مدى سنوات ـ عن مصطلح “السيادة” وهو الذي كان عرّاب مصادرتها! ما خرج به “نوري المالكي” مؤخرًا من تصريحات، تأتي متواكبة مع اتجاهات أجواء السياسة في العراق في ظل الصراع الانتخابي قبل أوانه؛ فهو يقول: إنه مستعد ليكون رئيسًا للوزراء مرة أخرى إذا اختاره من أسماهم “الشركاء السياسيون”! ليعطي رسالة مفادها أن التشكيل الحكومي غير خاضع لنتائج انتخابات أو مخرجات عملية “ديمقراطية” كما يتفوه به إعلام العملية السياسية، وأن الشعب العراقي خارج الإطار بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأن تقاسم السلطة رهين أحزابها التي تحظى بمباركة دولية وإقليمية، ولعل في ذلك إشارة قوية الإرسال بأن الصغار الطامحين عبثًا في المشاركة في المنظومة لن يجدوا مكانًا يتناسب مع أحلامهم التي يروجون فيها أنهم يسوف يُصلحون!

Similar Posts