|

خبر ورؤية| تزاحم الدعايات وتمادي الواهمين … جهاد بشير

ثمة جدل من نوع خاص تنامى مؤخرًا داخل أروقة العملية السياسية، يعطي انطباعًا عن مآل الانتخابات المقبلة التي ستجرى في العراق بعد أقل من شهر؛ فما بين انبهار المرشحين لها، وبهرجة دعاياتهم التي اكتظت بها شوارع المدن العراقية وجدرانها وزواياها، بل وحتى أماكن تجميع القمامة فيها؛ تصاعدت حدة الخصومة بين الأحزاب السياسية القديمة والجديدة؛ وبين الميليشيات التي تدعي أن صور أفراد منها قتلوا سابقًا مؤطرة بألوان طائفية خالصة؛ أولى بالتعليق والدعاية من صور المرشحين.

وما بين سلوكيات التدافع ومحاولة احتراف أنماط جديدة من الإزاحة؛ يبدو التنافس السياسي في ذروة حراكه، ويظهر من مجرياته شيء من معالم المستقبل القريب الذي لن يكون مختلفًا  هذه المرة كما يتصوّره الواهمون والمروجون للمشاركة في الانتخابات تحت ذائع شتى منها: اختيار المصلحين، وقطع الطريق على المزورين من استخدام (البطاقة الانتخابية) لأغراض التصويت لصالح جهات دون أخرى، وما في هذا السياق من مبررات لا تقوى على الصمود أمام واقع يعيشه العراقيون على مدى عقد ونصف، لاسيما وأن من يروّج لها أو يصدقها هم صنفان من الناس لا غير؛ نفعيون يبتغون مكاسب مؤقتة أو ذات أمد، وجهّال يأبون التعلم من الأحداث وأخذ الدروس والعبر منها.

حقيقة ما يجري في المعترك السياسي يشير إلى أن المشهد القادم بعد الانتخابات لن يكون بالاتجاه الذي يتوهمه المخدوعون بجدوى المشاركة في العملية السياسية وأدواتها من أجل ما يسمونه التغيير أو الإصلاح؛ وإنما نحو مزيد من الفوضى والتعقيد الذي يجمع بين متناقضات، تسعى القوى المتحكمة في إدارة دفتها إلى إخضاع العراق تحت مزيد من الضغوط، لصناعة مبررات يُراد لها أن تكون منطلقات لتدشين مرحلة جديدة على مستوى المنطقة ككل.

ومنذ إعلان ميليشيات (الحشد الشعبي) انخراطها في العمل السياسي على الرغم من انعدام الحدود الدنيا من بدهيات السياسة لدى مرشحيها، ومقارنة ذلك بما سبق من عمليات انتخابية وتشكيل حكومات متلاحقة وما رافقها من صراع وصِدام بلغ صداه الآفاق؛ تأكد أن العملية السياسية ومنظومة الحكم في العراق يُراد لها أن تبقى على نحو من المحاصصة غير الثابتة على نسق واحد، بل تتسع فيها دوائر وتنكمش أخرى؛ بشرط أن تبقى نظرية الأغلبية والأقلية التي افترضتها الإدارة الأمريكية على أساس طائفي بعد احتلال العراق هي القطب الذي تدور عليها جميع المنظومة.

وبغض النظر عن مستويات الحضيض التي بلغتها العملية السياسية هذه، فإن وصولها أدنى الدركات لا يعني شيئًا بالنسبة للولايات المتحدة وإيران ـ تحديدًا ـ وبقية القوى المتحالفة التي تريد أن تتقاسم السطوة على المنطقة كل حسب نصيبه ومقدار تحكّمه؛ وإن القوى التي تركض في الملعبين الدولي والإقليمي ـ على الرغم من تفاوت مستوياتها من حيث القوة وإمكانية النفوذ ـ مفروض عليها أن تبقى ضمن هذا الإطار المحاصصي، لتبدو ظاهرة دعم دول ما لأحزاب معينة وتحريض قواعدها الشعبية على (وجوب) المشاركة في الانتخابات واضحة في دوافعها وأهدافها.

إن التمادي في محاولة إقناع الشارع العراقي بأن أحدًا يمكنه أن يلج العملية السياسية ويعدل من مسارها؛ ضرب من الوهم وخداع بات تكرار الحديث بالتحذير منه يعكس مرضًا فكريًا وثقافيًا لدى متلقيه، وظاهرة سلبية يُخشى أنها من أمارات اليأس الذي يُراد له يكون واقع حال يُجبر الناس على الرضا بخيارات محددة ومقتصرة على صنف واحد، رغم أنهم في الأساس غير ملزمين بأن يفاضلوا بين سيئين حتى وإن بدى الصالح بعيد المنال أو صعب التحصيل، ولكن العقل والمنطق يقرران أن إبراء الذمة هو واجب الوقت، لأن المشاركة في تثبيت سطوة الباطل والاعتراف بأدواته؛ إقرار به، واصطفاف معه، وسيكون للتاريخ دوره في تثبيت هذا الموقف وحفظه حتى يحين موعد الحساب.

Similar Posts