|

خبر ورؤية: سياسة التخادم واللعب المكشوف … جهاد بشيرNov 21, 2017

زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر

تحاول بعض الصحف الأمريكية إظهار صورة تعكس نوعًا من السخط على سياسية إدارة الرئيس الحالي دونالد ترمب تجاه إيران وهيمنتها في العراق ونفوذها المتصاعد في سورية؛ وتعطي انطباعًا بعدم الرضا عن هذه السياسة التي حقق لطهران ما فاق أحلامها منذ تأسست الإمبراطورية الفارسية وحتى يومنا هذا.

وفي الحقيقة فإن كلام الصحف وآراء المحللين التي تكاثرت في ذم هذه السياسية وبيان ضرر العلاقات المصلحية المفرطة بين الولايات المتحدة وإيران؛ لن يغير شيئًا من واقع حال المشهد السياسي في المنطقة العربية الذي تتحكم واشنطن باستراتيجيته، وتتلاعب طهران بأدواته، لاسيما حين يدرك المراقب أن ما تكتبه صحف ذات أثر وجمهور في أمريكا وعلى مستوى العالم إنما هو انعكاس متوقع للخلافات الداخلية في المطبخ السياسي الأمريكي، فلا واشنطن بوست حريصة على استقرار أوضاع العراق وخلاصه وسورية مما حل بهما، ولا نيويورك تايمز جادة في لعب دور الملاك في رؤيتها للمشهد، بقدر ما هو عمل دؤوب للإطاحة بترمب وفريقه لصالح خصوم أظهروا سخطهم عليه منذ اليوم الأول لولوجه باب البيت الأبيض.

ولكن من فوائد هذا نوع الخلاف بين الشركاء؛ إظهار الحقائق التي طالما حاولوا سوية تعميتها وصرف الأنظار عنها؛ لأنها تتقاطع مع مصالح ومكاسب مشتركة فيما بينهم يتقاسمونها بحسب معطيات متفق عليها سلفًا، وعند أول مناكفة بين فئتين منهم؛ فإنهما تنتقلان إلى (الخطة ب) لفضح الخصم وجرّه إلى ساحة التنازلات.

ترمب الذي عدّه غالب من اشتغل في السياسية بأنه شخصية مثير للجدل؛ لا يستحي مطلقًا من تلقي اتهامات أيًا كان نوعها؛ ويمضي قدمًا فيما يريد دونما حساب لدبلوماسية أو أطر في العلاقات الداخلية أو الخارجية، وكان واضحًا في ذلك حينما اتخذ من كراهيته للإسلام ودعمه المعلن بلا مواربة للصهيونية، وتجريم المقاومة، وما في هذا السياق من ازدراء العرب وتوصيفهم بما هم ليسوا أهلًا له؛ سبيلاً للترويج لحملته الانتخابية.

 ومع فرض هيمنته على أنظمة المنطقة العربية واستعماله سياسة الاستعلاء في الخطاب معها؛ وجدها طائعة وملبية، ولا تملك من أمرها شيئًا للخروج عن أطر ومحددات السياسة والرؤية الأمريكية، ولا تقوى أن تفكر في أن تسبح ضد تيارها، وإذا كان الحال كذلك؛ فإن سياسته التي رجحت كفة نفوذ إيران ميدانيًا على نفوذ بلاده في المنطقة العربية وتحديدًا في العراق وسورية؛ لن تغيّرها مقالات صحفية.

لا يبدو أن الإدارة الأمريكية غبية لهذه الدرجة التي تحاول بعض أعمدة صحف بلادها توصيفها بها، ولاسيما فيما يتعلق بعدم قدرتها على كبح جماح طهران، بل إنها عملت طوال المدة الماضية للوصول إلى هذا المستوى على الصعيدين الأمني والسياسي، حتى جعلت من إيران قوة ذات نفوذ وسطوة لا تملك القوى المحلية الرسمية إزاءها إلا أحد طريقين؛ إما التماهي معها والسير على ضوء ما تسمح به الولايات المتحدة الداعم لها، أو السخط عليها بتصريحات هلامية لا مكان لآثارها العملية على الأرض؛ لأن أولئك الساخطين ما انفكوا سائرين في فلك أمريكا التي لن تسمح لأحد من أتباعها بتقويض مشروعها الاستراتيجي في المنطقة مهما كانت مكانته عندها، وخير دليل على ذلك ما حلّ بالسياسيين الأكراد في العراق بتخليها عنهم وتدمير حلمهم الذي طالما أسندوا ظهورهم إليها وهم يروّجون له ويعملون في سبيله.

سياسة التخادم بين الولايات المتحدة وإيران ظاهرة ومعلنة، وبدت مؤخرًا وثيقة جدًا أكثر من أي وقت مضى، ولهذا فإن طريقة التفكير بتعطيل أداة إيرانية هنا أو أعاقة أخرى هناك لا تجدي نفعًا في تقويض المشروع الإيراني في المنطقة، لأنها قادرة على توفير البديل بسهولة مادام الضوء الأمريكي الأخضر وهاجًا ولا مؤشرات على انطفائه في وقت قريب.

إن على أصحاب القرار في المنطقة العربية أن يتحرروا من سياسة تنفيذ الأوامر التي قيّدوا بها؛ لأنها لن تحفظ لهم الأوطان ولن تصد عنهم هجمات العدوان، ولأن الولايات المتحدة تريد بقاءهم على هذا الحال؛ سخرت لهم إيران لتكون العصا الغليظة التي تهددهم بها على أكثر من جبهة وعبر أكثر من سبيل؛ فإن هم عجزوا عن فعل شيء من ذلك؛ فالكرة أمست في ملعب الشعوب، وعلى هذه الأخيرة أن تبادر وتكون على قدر مسؤوليتها في التغيير، إكرامًا لتاريخها وحفاظًا على مستقبل أجيالها.

Similar Posts