خبر ورؤية: فلسطين وفوضى العواطف الغاضبة… جهاد بشيرDec 12, 2017
زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر
موجة الغضب واسعة الانتشار والمساحة التي شهدتها الأيام الأخيرة، لن تنقذ الأمة من هوّتها التي أخذت تحث الخطى بها انحدارًا صوب مستويات لا تليق بتاريخها ولا تنسجم مع ثراء تراثها الغزير بالقيم والمبادئ، ولاسيما مع تضييع هذا الجيل بوصلته، وتوهانه المفرط، ولا مبالاته بحجم الخطر الذي يستهدف ثوابته التي من حقها عليه أن يحفظها ويصمد في سبيل الدفاع عنها.
ومنذ أن ساهمت أنظمة المنطقة بالرضوخ وهي ترى سياسة التجويع تمارس علنًا عبر حصار الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحديدًا؛ والتخلي عنه ـ عمليًا ـ في أحنك الظروف التي مر بها من عدوان واعتداءات صهيونية متكررة؛ بموازاة ترك العراق فريسة للاحتلال بنسختيه الغربية والإيرانية ومشاريعهما التي أنهكت أهله وأحرقت حرث البلاد ونسلها؛ تزايدت محنة هذه الأمّة وانتزعت مهابتها من صدور أعدائها، حتى لم يعد عدّوها يلقي بالًا أو يهتم لأي فورة غضب معلنة، أو موقف تنديد منمّق يواكب المشهد بعض الوقت ثم يتلاشى فيغدو أثرًا بعد عين.
ولعل في هذا التوصيف من إعطاء صورة لواقع حال ما انفك الجميع يتناوله بسخط ويدور في فلك النقد المباشر له؛ شيء من القسوة ومجاوزة الحد؛ ولكنه ضروري ولازم إذا ما نظرنا إلى مآلات الأمور وتطورات الأحداث التي رافقت اعتراف الولايات المتحدة بمدينة القدس المحتلة عاصمة للكيان الصهيوني، وعزمها نقل سفارتها إليها.
ومن المناسب بداية أن يَدّكر الآخرون أننا حين كنا وما نزال نتناول المشهد العراقي بالرؤية والتحليل؛ فإن ثمة معضلة حقيقية وظاهرة ترافق كل المواقف المتعلقة به؛ ألا وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية التي ترعى العملية السياسية هناك؛ تراهن على بقاء الأخيرة مهما كلف من ثمن؛ ولأجل ذلك فإن جميع الأنظمة الإقليمية والدولية لم ولن تتحدث بشيء خارج نطاق هذه العملية ولا تريد أن تسمع لطروحات وحلول مشكلة العراقيين ـ حتى وإن كانت مفترضة ـ إلا ضمن سياقات المنظومة الحالية التي تتحكم بها واشنطن أساسًا واقتضت المتغيرات في السنوات القليلة الماضية أن تعطي لطهران نصيبًا في مهمة تحريك الدفة وقيادة المركب.
أما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو السورية؛ فإن الفضاءات كانت مفتوحة ويُسمح بتناولها من أي زاوية يشاء المرء سواء كان ناقدًا ومحللًا، أم مجرد صاحب رأي لا يريد أن يبخل بطرحه؛ وذلك فقط لأن الخصم المباشر في الميدان ليس الولايات المتحدة.
هذه القاعدة تغيرت كثيرًا منذ حين سبق الأزمة الخليجية، وبدأ اللعب على المكشوف أكثر وضوحًا بعدها، وظهرت ملامح ذلك في مستهل مجيء ترمب الذي أثبتت سياسته أن إدارته صاحبه دور مضاعف وأزيد من ذي قبل في التفرد والتسلط لتغيير شكل المنطقة وتحريك قواعد اللعب فيها مستقبلًا بنمط مغاير لما هو مألوف ومعلوم، ويتجلى ذلك بالتدخل المباشر والمعلن في دعم الكيان الصهيوني وتحديد مستقبل القضية الفلسطينية برؤية أمريكية وطريقة تشبه ما تعمله في العراق مع الفوارق بين المشهدين من حيث الأصل والمدى والأهداف القريبة والبعيدة.
مؤخرًا؛ رُسمت خطوط حمراء جديدة الظهور قديمة التأصيل تتعلق بحركات التحرر والمقاومة في فلسطين، حتى صارت أجندة الأنظمة بالنسبة لها تتحرك في إطار العداوة والبغضاء الصريحة بعدما كانت تدور في دائرة الكناية والتورية، وأمست القضية الفلسطينية في منظور العرب مقيدة الآفاق، ولم يعد يُسمح لها أن تحظى بتلك الاهتمامات كما كانت في السابق، لأن شمَاعة (الإرهاب) عُلقت مجددًا في المشهد وأخذ الوصف بها يوجه صوب حماس وشقيقاتها من فصائل المقاومة من قبل أبناء جلدتها الذين من المفترض أن يكونوا سندًا لها، تمامًا مثلما وُسمت المقاومة العراقية والقوى الداعمة لها والمناهضة لمشاريع الاحتلال والعملية السياسية في العراق بالنعت نفسه، حتى بدا الكيان الصهيوني يستجم في الساحة السياسية العربية وهو يجني حصاده بتجريم المقاومة من قبل أهلها من جهة، وتأجيج الخلاف بين الأشقاء العرب من جهة أخرى، وتحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم: «ولينزعَنّ الله من صدور عدوّكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن»، ليكون الجيل الحالي من أبناء هذه الأمة مبتلىً في مواكبته أسوأ أنواع حقبها المتردية.
وعلى الرغم من أن الأنظمة تمادت كثيرًا بالانبطاح أمام إرادة الغرب والكيان الغاصب؛ وسجلت مزيدًا من المواقف المخزية سيذكرها التاريخ وتتناقلها الأجيال بالويل والثبور؛ إلا أن على الشعوب مسؤولية أكبر مما هو بادٍ عليها من فورة غضب ومواقف جيّاشة ـ وهي مطلوبة بلا شك ـ حتى تعود بأمتها إلى جادة الصواب وتنتشلها مما يتخطفها، فتمسك بزمام المبادرة وتؤدي دورها الفاعل والنافذ في وقف هذه المهزلة التي تشير تداعياتها إلى أن الأنظمة المعنية بها لم تعد مجرد تابع ذليل يُؤمر فيطيع؛ بل أصبحت عبدًا مملوكًا وهب ظهره لسياط سيّده بمنتهى الرضا وبجزيل من العرفان.
إن القضية الفلسطينية عند المسلمين؛ عقيدة، وليست مجرد رأي حازم أو عاطفة ملتهبة، وأصحاب المبدأ والفكر والعلم يدركون جيدًا أن بقية القضايا في العراق وسورية وسائر بلاد المسلمين؛ معلقة بها، وأن الحلول المنشودة في تلك البقية وحركات التحرر المرتبطة بها، والمشاريع المطروحة في فضاءاتها؛ هي محطات في طريق الوصول إلى القدس باعتبارها القضية الأم التي لا يزيغ عن نصرتها أو حتى عن مجرد تحديث النفس بها؛ إلا من شابَ إيمانَه دَخَنٌ، وتعرضت عقيدته لكَدَر، إن لم يكن الوصف بحاجة إلى عمق أكثر وإطلاق حكم أوضح.
وليكن في أذهان الشعوب أنها بغير سند لن تستطيع أن تقدم شيئًا في مسار طموحها، وستنتهي غضبتها مثل انطفاء نار الشمعة التي تذيب نفسها حتى تنقضي حياتها، ولذلك عليهم أن يدركوا أن مشروع المقاومة لم ينطلق لينحني يومًا، وما عرف التاريخ جنود الحق وهم مثبطو العزائم واهنو الهمم؛ لأنهم سلكوا هذا الطريق باصطفاء من الله عز وجل، ومن يختاره الله لهذه المهمة يُلهمه الثبات ويؤهله ليكون سببًا في تحقيق وعده، وتأهيل الناس والمجتمعات ليحسنوا خلافته في أرضه، ومن هنا يتأكد أن مشروع المقاومة أداة انقاذ للأمة لأن في استعلائه سببًا لكبح انحدارها، وليس في هذا المقام أفصح من التذكير بما قاله العقلاء من قبل: عرفت فالزم.