خبر ورؤية| تفقيع العملية السياسية … انتخابات وتحالفات وتفجيرات… حارث الأزديJan 16, 2018
ربما تجذبك عزيزي القارئ كلمة تفقيع أكثر من أخواتها المدرجات معها في عنوان هذا المقال، ولو تفحصتها قليلا بعيدا عن أي مؤثرات لوجدت أن التفقيع مصدر فقع ومن معانيه فقع فلان أي جاء بكلام أو مضمون لا معنى له، ومن معانيها أيضا تفقيع الأصابع أي فرقعتها، ولأن اللعبة السياسية في العراق بنسختها الأمريكية ونكهتها الإيرانية تتلاعب بها الأيدي المعتمدة من كلا الطرفين، فلا تسمع من فرقعتها سوى الانتخابات والتحالفات في جو طائفي بغيض تحاصره التفجيرات.
لو فككت واقع العملية السياسية كما يحلو لصانعيها مناداتها بهذا الاسم لما وجدت في مضمونها ومقترباتها وتوابعها غير الكلام الوهمي الذي لا معنى له سوى الخداع وملء مساحة فارغة أو أفرغت من القوى إلا لهذه القوى التي جاء بها المحتل، فما يجري من تسويق لها ليس سوى تفقيع يمارسه المنتدبون اليها.
ولعل أبرز ما يؤشر على هذه العملية السياسية هي أيقونة الطائفية المقيتة التي اعتمدتها مراكز تجميع الأفكار الغربية في غزوها الجديد للمنطقة لأجل مزيد من التفكيك والتفتيت والتجزئة، وما إلى ذلك من مؤشرات الانحطاط التي يتصدرها زعماء الطوائف الذين ما انفكوا ساعين لبناء إقطاعيات ومحميات يتبعهم فيها جموع متنوعة من القتلة واللصوص وبعض الجهلة، ومع أن فكرة التجزئة الطائفية غادرها العالم المتمدن منذ زمن بعيد، إلا أن الدوائر الاستخبارية المتحكمة بالمنطقة ولاسيما في العراق اعتمدتها في مخططات احتلاله، فهي قائمة على إنمائها ومنح منفذيها غطاءًا قانونيًا لا يُسمح بالمساس به حتى ممن يؤمنون بالعملية السياسية وفق سياقات الاحتلال المنتمين إلى ما يسمى التيار المدني ممن لم يحالفهم سعيهم طوال عقد ونصف العقد في الدخول في أتونها ظنا منهم وهو (متوهَم) أنهم بإمكانهم إصلاح هذه العملية من داخلها ومثلهم كذلك وقد سبقهم ولكن في سياق تمثيل طائفي أريد لهم أن يكونوا مشرعنين لهذه العملية السياسية وشهود زور على أنها تشمل جميع العراقيين مع أنهم كانوا يحملون فكرة أصيلة لكنهم سقطوا في خطوات التطبيق وانطلقوا في طريق لا يؤدي بهم الى مرادهم فلاحقتهم مذكرات القبض والحكم بالإعدام غيابيا.
وعودًا على بدء فإن الانتخابات ذات التوقيتات المقدسة أمريكيا وإيرانيا وكذلك القوى التي أحكمت سيطرتها على مقدرات البلد فيمكننا وصفها بأنها أكبر عملية خداع مورست على أبناء الشعب العراقي منذ مئات السنين، فالفاسدون باسمهم يحكمون، ولأرواحهم يزهقون، ولأموالهم ينهبون، ولا وجود لأي فقرة تندرج تحت عنوان الإنجاز ينفذون، بلد متهالك مرتهن بالديون وبنى تحتية لا وجود لعملها وسجون تغص بالأبرياء وإعدامات تحت لافتة القانون وقتل خارجه دون أن يرف جفن لأي من الأطراف المتلاعبة بالعراق ومصيره.
ولو أن عاقلا من أبناء الشعب العراقي أراد بث وعيه، عبر مقال أو تقرير أو كتاب أو مقطع فيديو، ويريد أن يكون هذا الوعي ثقافة عامة لدى الشعب فلن يأخذ منه أكثر من خمس دقائق فقط، بدءًا من سؤال ماذا انتجت هذه العملية السياسية؟ وماذا استفاد الشعب منها سوى ان ألقائمين عليها يتناوبون في المناصب. وهي أشبه ما تكون بعملية تدوير لأسماء أجمع الشعب العراقي على إجرامها وعدم إخلاصها، ولا يفوتني هنا أن أشمل بهذا السوء كل الذين يحاولون الدخول اليها مهما تنوعت غاياتهم فمما هو متداول ومعروف لدي الجميع، أن لا رأيَ مطاع لمن لا يمتلك قوة تفرضه، ولا مجال لوصف فلان من الناس أنه جيد ولكنه بين سيئين، فمن اختار الانخراط مع السيء لن يكون جيدا مهما فعل فهو لا يدخل في هذا العالم السيء إلا بعد اقراره وانضباطه بقوانين الفاسدين.
ولو ولجنا الى أجواء هذه العملية المسخ وتابعنا القوائم الانتخابية التي لا يوجد مثلها إلا في العوالم الأشد فقرًا وتخلفًا وانحطاطًا، فهي عبارة عن جموع من الزاحفين نحو المكاسب الوقتية والغايات البعيدة عن مصلحة العراقيين، فإن ما نشهده من دخول مفرط لتحالفات الحشد في تحالف حيدر العبادي المسمى بالنصر مع أنه بغطاء جوي أمريكي وتقدم ميليشياوي على الأرض دليل على الصورة المرتقبة للمرحلة القادمة، وما شهدته الساعات القليلة من هذا الزواج المؤقت بإعلان الانسحاب منه، هو طلاق رجعي غير بائن بحسب الظروف والمستجدات، فمن أراد ضم الحشد واستخدامه لن يكون له ما يريد، فالمرحلة المقبلة تريدها ايران حشدية بامتياز ولن يكون ساستها المدللين طوال المدة السابقة سوى خدم لأولئك القادمين، ولن تأخذ بقية التحالفات منك كثيرا من الوقت لتفكيك مخططاتها وبرامجها المنفعية والمصلحية البعيدة عن مصلحة الشعب العراقي.
الانتخابات المزمع إجراؤها في أيار القادم والتحالفات الجارية في العراق اليوم تؤكد دخول العراق مرحلة جديدة من الاستعلاء الطائفي بتحكم الميليشيات الإيرانية الولاء علنًا من دون مواربة، وما يحدث من تحالفات هو في هذا الاطار لا غير فإن كان وفق شروطها وانتماءاتها فهو لحجز المنصب في المرحلة القادمة تحت رعاية المالك المتحكم، وما كان من غير طيفها وانتمائها فهو من باب التشكيلة الخادعة ببقاء العملية السياسية على ما بنيت عليه بوجود مسميات تنتمي لطوائف وألوان الشعب من دون ان يكون له من الأمر شيء سوى أنه يبقى إلى جانب هذه التحالفات لمصالح خاصة به وأداء دور شاهد الزور.
وثالثة الأثافي التي بنيت عليها اللعبة السياسية في العراق هي التفجيرات المدروسة والمعلومة بقصد خلق العدو المتوهَم وإبقاء التهديد قائما على رؤوس أبناء الشعب يحصد أرواحهم، لتكون هذه الدماء دافعًا في سوق أبناء العراق لصالح انتخاباتهم، وليس أدل على تأكيد هذه الرؤية من محاولات الاستثمار تطاير التصريحات الطائفية من هنا أو هناك بأن وراء هذا التفجير أو ذاك من يريد تأجيل الانتخابات أو أن عودة العنف ستكون جزاءًا وفاقًا لمن يعتزل تلك الانتخابات أو يعزف عنها، ومما تعجب له إجماع من ينخرط بهذه العملية على عدم الإشارة عن إدارتهم مسلسل العنف سعيا لتحقيق أهدافهم مهما اختلفت مخططاتهم فهم في ذلك شركاء.
ملخص القول في هذه الثلاثية السوداء من مخرجات العملية السياسية أم المصائب في العراق، تفقيع أصابع اللاعبين فيها بانتخابات طائفية تبقي على الفاسدين والمتنفذين بالسوء على رأس السلطة في العراق، وتؤازرها وتنفذها تحالفات طائفية القصد منها رسم معالم المرحلة القادمة بتمكين الميليشيات وهي ان حدثت فالقادم أسوأ مما كان، وهذان الأمران لن يكونا فاعلين ونافذين من دون تفجيرات تحصد أرواح ودماء أهل البلد ويسعى الفاسدون لاستثمارها.