خبر ورؤية| استراتيجية التخادم وسياقات العملية السياسية.. جهاد بشيرFeb 06, 2018
في الوقت الذي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتدشين مرحلة جديدة في العراق والمنطقة بتخطيطها وتنفيذها إقامة قواعد عسكرية جديدة بعضها رئيسي والأخر فرعي في مناطق متفرقة من البلاد؛ تأتي تصريحات رسمية إيرانية تكشف المزيد من استراتيجيات طهران التي تتبناها بتوأمة مع واشنطن ضمن سياسة من التخادم باتت إحدى معالم المشهد الصريحة.
وحينما يتحدث مسؤول حكومي ذو رتبة عسكرية عالية عن أن التحالف الدولي ما يزال حتى اللحظة يقدم دعمه الجوي لميليشيات (الحشد الشعبي) التي تضم من يوصفون بـ(المستشارين) من ضبّاط الحرس الثوري الإيراني؛ رغم كل ما يشاع عن انتهاء العمليات العسكرية؛ فإن ذلك يعني أن أطر العلاقة بين الإيرانيين والغرب آخذة بالتوسع المفضي إلى خيارات جديدة للطرفين في سياق تبادل مواقع وأدوار المصالح المتبادلة التي يُعد العراق بؤرتها الأساسية.
تتجه طهران حاليًا صوب ملف الانتخابات التي تشهد صخبًا ومناكفات بين المتنافسين على نتائجها، فيما تقابلها واشنطن راعية العملية السياسية بصمت أصحاب القبور؛ لغايات لها مآلات ترغب القوى العظمى في الوصول إليها، ومعلوم أن عملية التخادم تقتضي قيام كل طرف بمهمة ما، وجدت طهران نفسها مؤهلة لتنفيذ حصتها باتجاهين؛ الأول: رعاية ودعم تحالف يُراد له أن يكون موحدًا انتخابيًا حتى لو كانت الأحزاب التي تتبلور حول هدفه متخاصمة وتعبّر بدقة عن معنى الشركاء المتشاكسين؛ مع استثمار وجود (الحشد الشعبي) الذي أمسى أحد أركان العملية السياسية في طورها الجديد بعد انخراط قادته وعدد من فصائله في سباق الانتخابات؛ ليكون أداة ميدانية مناسبة في تنفيذ تطلعاتها عبر هذا التحالف.
والاتجاه الآخر: تبدو غاياته وأهدافه ـ بعيدة أو قريبة المدى ـ واضحة جدًا في تصريحات لنائب قائد الحرس الثوري الإيراني (حسين سلامي)؛ عبّر فيها عن رؤية نظام بلاده للمرحلة المقبلة في منطقة الشرق الأوسط التي وصفها بأنها ميدان استراتيجي لطهران تسعى لأن تجعله ساحة للصراع بعيدًا عن أراضيها وتحاشيًا لاقتراب الخطر من داخلها الذي كشفت التظاهرات والاحتجاجات الأخيرة قابليته ليكون متأزمًا.
وعن هذا الاتجاه، يقول سلامي: إن الجيشين (العراقي) والسوري يشكلان العمق الاستراتيجي لإيران، وإن أفضل استراتيجية هي الاشتباك مع من وصفه بـ(العدو) عن بُعد، ولذلك فإن طهران لا تعتزم تقليص نفوذها في الشرق الأوسط، يقول ذلك بوضوح وعبر القنوات الرسمية لنظام بلاده، في رسالة صريحة التعبير وبيّنة التطبيق، لكن الأنظمة المحلية كعادتها لا تعير لها أي اهتمام، ولا تقوى أن تحرك تجاهه أي ساكن؛ لأن الطرف الآخر الذي يُشرف على تنفيذ هذه الاستراتيجية هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تظهر لها تلك الأنظمة كل أنواع وصور الخضوع.
وليس بعيدًا عن هذا الملف؛ تبدو العملية السياسية باقية على نسقها وقائمة ضمن محدداتها التي رسمت لها أول مرة، ومما يرجح ذلك، تنامي سياسة التخادم الأمريكية ـ الإيرانية التي أخذت هذه المرة طابعًا مؤثرًا ليس على مستوى العراق فقط، بل بدت آثاره تتضح بقوة في بقية أجزاء المنطقة، ولهذا فإن ما يرتفع من صوت أو نداء أو خطاب مؤطر بوعود إصلاح وتغيير، ودعوات لا حياء فيها للمشاركة في الانتخابات رغم ما يجتاح المشهد العراقي من قناعات وتصريحات شعبية ومدنية بمقاطعتها؛ كل ذلك لن يخرج عن سياق المناورة في تبديل وجوه ومغايرة أدوار والضخ بأدوات جديدة لتتولى مهامها وتبقي على حياة المنظومة على الوجه الذي تريده واشنطن.
إن التصور الذي يغشى فئات كثيرة محلية وإقليمية، بجدوى تعديل بوصلة في قالب أعوج مهلهل الأسس، عن طريق إبقاء العملية السياسية والمشاركة فيها، وبذل جهود سياسية وتثقيفية، وتوفير الدعم والإسناد في سبيل حض الناس على المشاركة في الانتخابات؛ يتطور من حالة وهم متراكم إلى مرض متفاقم، لا يجرؤ من أصيب به على البحث عن مظان علاجه، هربًا من تجرع مرارته، وتكلفة ثمنه، رغم أن الإصابة به كانت نتيجة تقصيره في الوقاية والاحتراز.