خبر ورؤية| في ذكرى ديمقراطية الإرهاب …جهاد بشيرMar 13, 2018
زاوية أسبوعية تأتيكم من جريدة البصائر
تحط قريبًا ذكرى بدء الحرب على العراق في ثوبها الخامس عشر؛ رحالها، لتعيد المشهد إلى مربعه الأول رغم الخشية المفرطة التي تنتاب السائحين في مضمار العملية السياسية من هذا المصطلح الذي يعكس الإقرار به حالة من فوضى متفاقمة تجتاح ساحة العمل السياسي في العراق تحت مظلة ما أسماها محور العدوان والاحتلال بـ(الديمقراطية).
العراقيون ليسوا بحاجة إلى من يذكرهم بما آلت إليه أوضاعهم بعد الاحتلال، فواقعهم اليومي، وما يعايشونه منذ ذلك الحين، وما يتعلق به من أحداث ونتائج اصطبغت البلاد بها بلونين؛ أحمر قانٍ لونته دماء القتلى الذين تزهق أرواحهم يوميًا دون ذنب؛ ورمادي غامق ينجذب بلا هوادة نحو السواد المعتم؛ ما هي إلا فصول متلاحقة نتجت عن حرب ظالمة درات رحاها مستندة على فرية يصدق عليها وصف كذبة القرن؛ فأخذت تجرّهم الأحداث بعدها صوب الهاوية، وتعمل على انهيار منظومات حياتهم، وسلب إراداتهم، ومنعهم من الوصول إلى أدنى درجات حقوقهم، ثم لم تكتفِ بذلك؛ بل هددتهم بمستقبل منغمس في غياهب المجهول لا تُعرف له معالم، ولا تُدركُ فيه معطيات.
عقد ونصف من السنوات مرّ؛ ولم يتذوق عراقي طعم سعادة، أو يستشعر نفس حياة، فما بين تخبط سياسي متفاقم، وأمن متردٍ بلغ درجة الحضيض؛ تتلاعب الأحداث بهم وتتحكم بمصائرهم، وعلاوة على ملايين البشر الذين ابتلعت القبور أجسادهم أو تناثرت أشلاؤهم بين شظايا الانفجارات؛ فإن من لم يقع من العراقيين ضحية التهجير والنزوح، تجرع مرارة الحرمان والفقر، ومن لم ينجُ من المعتقلات والسجون؛ تاه بين بلدان الغربة، ومن لم تكتب له النجاة من هذا كله لا يلبث حتى يجد نفسه يعد بحذر ما تبقى من ساعات عمره الذي يتعرض للتهديد من حين لآخر؛ إذ تتعدد أسبابه وتتجدد، وتتنوع وسائله وتتزايد.
الولايات المتحدة وحلفاؤها الدوليون والإقليميون، مع زمرة من العملاء الداخليين الذين زجت بهم بعد إحكام سطوتها على العراق ليكونوا أدوات تنفيذ مشروعها؛ ما زالوا حتى هذه اللحظة يرددون وبلا خجل أن مشروعهم الذي يسمونه (العراق الجديد) قائم على مبدأ (الديمقراطية) وما يلزمها من حرية، وحقوق إنسان، وإنعاش اقتصاد، وما في هذا السياق من مصطلحات حينما تُعلن أو تُقرأ يُخيل لأصحابها أن السامع سيصدق أن العراقيين باتوا ينعمون بحياة مُثلى، وأجواء من النعيم المتسع؛ متجاهلين أن منظماتهم الأممية نفسها تدرك أكثر من غيرها أن العراق وشعبه في حالة احتضار، وأن رائحة الموت ومشاهد الدمار السائدة في مسرح الأحداث؛ صارت يقينًا لدى الناس أجمعين أنها صفة ملازمة لعراق يدّعي من تداعى عليه أنه جديد!
وفضلًا عن ذلك؛ فإن القناعات بأن (ديمقراطية) الغرب ليست سوى وجه من وجوه الإرهاب بمصطلحه الحقيقي الذي ينطبق على حكومات وأنظمة الدول العظمى وأتباعها من دول التنفيذ المحلية؛ لا بالمعنى الذي يُريدون ترويجه في سياقات تتجه إلى لصقه بالمسلمين عامة، ووصم حركات التحرر المشروعة به على وجه الخصوص؛ باتت تتنامى في سياق الثقافة العامة لدى فئة واسعة وعريضة من الشعوب، ولذلك فإن واحدة من مساعي واشنطن وحلفائها ولاسيما إيران؛ أن يغيّبوا العراق عن المشهد ويبعدوا أحداثه عن الأضواء؛ حتى إذا نشأ الجيل الجديد في بقية العالم؛ يكون جاهلًا ومُعمّىً لا يقف على شيء من الحقيقة، فيتسنى لهم كتابة التاريخ بإجحاف على الوجه الذي يرغبون.
وفي خضم هذه الذكرى؛ لا غنى للجميع عن استذكار المقاومة، ورموز المشاريع المضادة للاحتلال والعدوان، لأنهما من عوامل توازن الحياة في ساحة التدافع التي سنهّا الله عز وجل لتكون تمحيصًا وغربلة بين فئة الخبيث من البشر وبين الطيب منهم، فكانت مقاومة العراق أنموذجًا حيًا جديرًا بأن يكون محل دراسة وتحليل، علاوة على أهميته في الاستذكار والتأسي والاقتداء، ومن غير الصواب ولا المنطق أن يعوّل أحد على نتائج وقتية حتى وإن كانت ظواهرها تشير إلى إخفاق أو تباطؤ، ويتناسى المدى الاستراتيجي البعيد القائم على ثوابت رصينة، والذي من شأنه أن يفضي إلى مآلات حسنة إن أتقن من يتصدى للاحتلال ومشاريعه عمله وأنجز دوره بإخلاص.
وإذ مضت ثلاث سنوات بتمامها على ترجل فارس حقبة العراق في الألفية الثالثة الشيخ حارث بن سليمان الضاري رحمه الله؛ يكون لزامًا على حركات التحرر العراقية ومشاريع مناهضة العدوان أن تعيد إنعاش المشهد من جديد؛ باستحضار مواقف، وتجديد عزائم، والسياحة في ظلال رؤى طالما تحقق صوابها وأثبتت بجدارة مصداقيتها.